*
الجمعة: 06 آذار 2026
  • 05 آذار 2026
  • 21:10
الضمان ماذا جرى تحت القبة
الكاتب: ديما القيسي

ما جرى أمس تحت قبة مجلس النواب الأردني يستدعي قراءة هادئة ومسؤولة، تميّز بين جوهر القرار التشريعي من جهة، والطريقة التي أُدير بها من جهة أخرى.

من حيث المبدأ، فإن إحالة مشروع قانون الضمان الاجتماعي إلى لجنة العمل خطوة يمكن النظر إليها بإيجابية من زاوية حماية مصلحة المواطنين وإتاحة المجال لنقاش أعمق لمواد القانون. فإعادة المشروع إلى اللجنة المختصة داخل مجلس النواب تمنح فرصة لدراسة المواد بتفصيل أكبر والاستماع إلى الملاحظات والخبراء وأصحاب العلاقة، بما يفتح الباب أمام مراجعة أكثر شمولاً.

كما أن هذه الخطوة قد تجنّب الدخول في مسار تشريعي أكثر تعقيداً لاحقاً. فلو تم رد القانون في مراحل لاحقة، فقد تنتقل عملية التعديل إلى مجلس الأعيان الأردني، ما يعني أن التعديلات قد تقتصر حينها على المواد التي يجري تعديلها فقط، وقد يتطلب الأمر تشكيل لجنة مشتركة بين المجلسين، وهو مسار غالباً ما يكون محدوداً من حيث نطاق التعديل. أما إبقاء النقاش داخل مجلس النواب ومن خلال لجانه المختصة، فيتيح مساحة أوسع للمراجعة قبل انتقال القانون إلى مراحله التشريعية اللاحقة.

غير أن الإشكالية التي أثارت الجدل أمس لم تكن في جوهر الإحالة بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تمت بها. فسرعة رفع الجلسة والتصويت خلال ثوانٍ معدودة، وما رافق ذلك من شعور لدى بعض النواب بتضييق مساحة النقاش أو عدم إتاحة الوقت الكافي للمداخلات، أعطى انطباعاً سلبياً لدى الرأي العام، وأسهم في خلق حالة من الاستياء والشكوك حول طبيعة ما جرى.

إن العمل النيابي لا يُقاس فقط بسلامة الإجراءات الدستورية، بل أيضاً بالكيفية التي تُدار بها النقاشات تحت القبة. فحق النائب في إبداء الرأي واستكمال مداخلته ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل هو جزء أساسي من جوهر التمثيل الشعبي.

ومن هنا، فإن ما جرى أمس أعاد إلى الواجهة سؤال الثقة بين المواطن والمؤسسة التشريعية. فحين تبدو القرارات وكأنها تُحسم بسرعة، حتى وإن كانت تحمل في جوهرها مصلحة تشريعية أو إجرائية، فإن طريقة إدارتها قد تترك أثراً سلبياً على صورة المجلس في نظر المواطنين.

وفي ظل الحديث المستمر عن تحديث الحياة السياسية وتعزيز العمل الحزبي، تبرز الحاجة إلى أن تعكس الممارسة البرلمانية روح هذا التحديث، بحيث تبقى قبة البرلمان مساحة حقيقية للنقاش المفتوح والتعددية السياسية، لا مجرد محطة إجرائية تمرّ عبرها القوانين بسرعة.

إن حماية الثقة بالمؤسسات لا تكون فقط بصحة القرار، بل أيضاً بشفافية الطريق الذي يقود إليه. وبين سلامة الإجراء وحساسية التوقيت، يبقى المطلوب دائماً أن يشعر الأردنيون بأن النقاش حول القوانين التي تمس حياتهم يجري بعمق ووضوح ومسؤولية تحت قبة البرلمان

مواضيع قد تعجبك