*
الاثنين: 23 فبراير 2026
  • 23 فبراير 2026
  • 19:43
قانون الضمان الاجتماعي  قراءة اقتصادية بين الاستدامة والعدالة ومنهج التدرّج
الكاتب: خالد الربابعة

يشهد ملف الضمان الاجتماعي نقاشا واسعا في ضوء التعديلات المقترحة ونتائج الدراسة الاكتوارية التي تشير إلى نقطة تعادل متوقعة خلال السنوات المقبلة.

بعيدا عن التأييد أو الرفض المسبق، فإن أي تعديل يمس الاشتراكات أو سن التقاعد يجب أن يقرأ من ثلاث زوايا أساسية:

أولا: الاستدامة المالية الفعلية للصندوق على المدى الطويل، ومدى كفاية البدائل الاستثمارية والإدارية المتاحة قبل اللجوء إلى تحميل المشتركين أعباء إضافية.

ثانيًا: الأثر الاقتصادي على سوق العمل وتنافسية الشركات، خصوصا في ظل تحديات التشغيل والنمو.

ثالثا: العدالة بين الأجيال، بحيث لا يتحمل جيل معين كلفة اختلالات تراكمية دون إصلاح هيكلي متوازن.

وفي التجارب الأوروبية والكندية، تميل إصلاحات أنظمة الضمان الاجتماعي إلى اتباع نهج متدرّج في ترتيب الأدوات. 

وعند اقتراب أي نظام ضمان اجتماعي من نقطة التعادل، فإن المعالجة الاقتصادية الرشيدة عادة ما تسير وفق تدرّج منطقي في الأدوات المتاحة. 

يبدأ الإصلاح بتحسين كفاءة إدارة الاستثمارات وتعظيم العوائد، باعتباره المسار الأقل كلفة اجتماعيا والأكثر انسجاما مع مبادئ الحوكمة الرشيدة. 

يلي ذلك العمل على توسيع قاعدة المشتركين وتعزيز الامتثال، بما يرفع الإيرادات من خلال النمو والتشغيل بدلا من زيادة الأعباء المباشرة. 

وفي حال استمرت الفجوة الاكتوارية، يمكن مراجعة بعض شروط الاستحقاق أو معايير التقاعد بشكل مدروس ومتدرج.

أما تعديل نسب الاشتراكات، فيعد من الأدوات الحساسة اقتصاديا واجتماعيا، وغالبا ما يُنظر إليه كخيار أخير يلجأ إليه ضمن حزمة متكاملة توازن بين الاستدامة المالية واستقرار سوق العمل.

هذا التدرّج لا يعكس تفضيلا سياسيا بقدر ما يعكس إدارة للمخاطر الاقتصادية والاجتماعية، وسعيا للحفاظ على التوازن بين الاستدامة المالية والاستقرار المجتمعي.

وتجدر الإشارة إلى أن ارتفاع عوائد صندوق استثمار  الضمان الاجتماعي وزيادة موجوداته لا تعني بالضرورة إلغاء الحاجة إلى بعض الإجراءات الهيكلية، مثل مراجعة سن التقاعد أو شروط الاستحقاق، فحتى مع تحسن الأداء الاستثماري، تبقى الالتزامات المستقبلية للصندوق مرتبطة بتدفق الاشتراكات، عدد المشتركين، أعمارهم، ونفقات التقاعد المتوقعّة، لذلك يُعتبر تعديل سن التقاعد أداة أخيرة ضمن منهج إصلاحي متدرج يهدف إلى ضمان الاستدامة المالية على المدى الطويل، مع مراعاة العدالة بين الأجيال، بعد استنفاد الخيارات الأقل تأثيرا اجتماعيا.

الضمان الاجتماعي ركيزة استقرار اقتصادي واجتماعي، وأي إصلاح فيه يجب أن يكون تدريجيا، مدروسا، وشفافا، بما يحافظ على الثقة العامة بالنظام ويعزز استدامته على المدى البعيد.

ويظل النقاش حول مشروع القانون شأنا تشريعيا يبنى على المعطيات الفنية والحوار المؤسسي المسؤول.

 

مواضيع قد تعجبك