المخدرات آفة معقدة تهدد صحة الإنسان وسلامة المجتمع، فهي لا تفرق بين صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، طفل أو شاب، رجل أو امرأة، وتضرب في كل الاتجاهات لتفكك الأسرة وتخرب العقول وتزيغ النفوس. لذا، فإن حماية أجيال الأردن من هذه الآفة تتطلب ثورة وطنية حقيقية، يشارك فيها الجميع، من الدولة والمؤسسات الرسمية إلى الأسرة والمجتمع المدني، من خلال تكاتف الجهود والعمل المتواصل.
تشكل المقاربات الأمنية الداخلية وضبط الحدود حجر الزاوية في مواجهة هذه الآفة، إذ تحد من تهريب المخدرات وتقطع الطرق على المهربين والمروجين والمصنعين، بينما تلعب التشريعات الوطنية دورًا رادعًا بالغ الأهمية من خلال تغليظ العقوبات على كل من يساهم في انتشار هذه المواد المدمرة. لكن مواجهة المخدرات لا تقتصر على الأمن والقانون وحدهما، بل تحتاج إلى الوازع الديني والأخلاقي والقيمي، الذي يرسخ في نفوس الشباب شعورًا بالمسؤولية والانتماء ويبعدهم عن الانحراف، ويؤكد أن الحفاظ على النفس والجسد والعقل واجب وطني وأخلاقي.
تأتي البرامج التوعوية والتثقيفية لتدعم هذه الجهود، سواء عبر المدارس التي تعقد برامج تعليمية وتوعوية تحصينية، أو من خلال وزارة الثقافة التي تنشر الوعي عبر مبادراتها، أو عبر الإعلام والوسائل الرقمية التي أصبحت أدوات مؤثرة في توجيه الرأي العام. وتلعب المساجد والجوامع دورًا محوريًا في غرس القيم السليمة، كما أن الجامعات والمنتديات الفكرية والثقافية والجمعيات المجتمعية والمثقفون والكتاب لهم دور بارز في نشر الوعي، وتوجيه الشباب نحو الطريق السليم، والابتعاد عن الانجراف خلف هذه الآفة.
إن هذه المعركة الوطنية تتطلب من كل فرد في الأردن أن يشمر عن ساعديه ويكون جزءًا من هذا الجهد الجماعي، فحماية الأجيال هي مسؤولية كل بيت، وكل مدرسة، وكل جامعة، وكل مؤسسة ثقافية ودينية وإعلامية. فالتعاون والتنسيق بين هذه الجهات المختلفة هو الطريق الوحيد لجعل الأردن مجتمعًا خالٍ من المخدرات، يضمن للأطفال والشباب بيئة آمنة تنمي عقولهم وتحصن نفوسهم وتبني شخصياتهم على قيم أخلاقية سليمة.
إن اجتثاث آفة المخدرات من جذورها ليس حلمًا بعيد المنال، بل هو مهمة وطنية حقيقية تبدأ بالإرادة الجماعية، وتتطلب صبرًا وتخطيطًا طويل الأمد، لكنها النتيجة الوحيدة التي تحفظ حاضر الأردن ومستقبله، وتؤكد أن الوطن يمكن أن يكون حصنًا آمنًا لكل أجياله، بعيدًا عن كل ما يهدد صحة الإنسان ويزرع الفوضى والانحراف في المجتمع.



