*
الاربعاء: 18 آذار 2026
  • 17 آذار 2026
  • 21:33
‫في سوق الكلام‬ ‫كل شيء للبيع إلا السؤال‬
الكاتب: عماد داود

في موريتانيا يقولون: ارمِ حجرًا في السوق يُصِب شاعرًا. الشاعر هناك لا يبيع — يحمل. يحمل ذاكرة القبيلة في صدره ويمشي بها حين لا يجد أحد غيره من يحملها. في الأردن يختلف المشهد. ارمِ فكرة في السوق الرقمي ولن تُصيب شاعرًا. ستُصيب بائعًا — يعرض رأيه كما يعرض التاجر بضاعته: بصوت عالٍ، وسعر مرن، وابتسامة لا تنطفئ.

‫لم تكن الكلمة دائمًا هكذا. كان المقال عملةً نادرة، طريقه طويل يمرّ بأيدٍ كثيرة قبل أن يصل إلى العين. لم يكن ذلك رقابةً بالضرورة، بل احتكاكًا مفيدًا — الفكرة تصطدم بعقل آخر فتخسر بعض يقينها وتكسب بعض عمقها. أما اليوم فالفكرة تنتقل مباشرة من الرأس إلى الخوارزمية، والخوارزمية لا تسأل عن الصحة بل عن الإثارة. السلطة لم تنتقل إلى الشعب كما وُعدنا — انتقلت إلى السوق. والسوق لا يُكافئ الأعمق بل الأصخب.

‫لكن لماذا الأردن تحديدًا يبدو نموذجًا لا مجرد مشاركٍ في هذه الظاهرة؟ لأن الأردني يحمل في جيبه سؤالًا وجوديًا معلَّقًا منذ عقود: من أنا؟ في بلد تتقاطع فيه هويات ولا تزال تتفاوض على نفسها في كل موجة لجوء وكل أزمة إقليمية، يُصبح إثبات الخبرة شكلًا من أشكال إثبات الوجود. أن تُحلّل الشرق الأوسط معناه أنك لستَ عابرًا في جغرافيا معلّقة. أنت من يفهم. أنت — على الأقل في نظر متابعيك — موجود.

‫ولهذا ظهر ذلك الصنف الفريد: المحلل الذي يتنبأ بالضربة العسكرية بدقة أعشار الثانية! وحين تأتي بعد أسبوع كامل لا يُراجع نفسه، بل يُعيد تغليف البضاعة — يُرتّب التسلسل الزمني من جديد ليُثبت أنه كان محقًا في الجوهر. في السوق الذي لا يتوقف، من يُراجع نفسه يخسر مكانه قبل أن ينتهي من مراجعته.

‫ما الذي ضاع بالضبط؟ ليس الجودة فحسب — الجودة مقياس يمكن رفعه. ضاع الصمت الخلاّق. في سوق يُكافئ الكثرة لا العمق، لم يعد أحد يملك الجرأة على التوقف — لأن التوقف يعني الغياب، والغياب يعني النسيان. فصار الكتّاب يكتبون لا لأنهم يملكون ما يقولونه بل لأنهم يخشون ألا يكونوا قد قالوا شيئًا. والفرق بين الكتابة من الامتلاء والكتابة من الخوف هو الفرق بين النص الذي يبقى والنص الذي يُنسى في اليوم التالي.

‫والمفارقة الكبرى: الأردن، بلد المليون كاتب، صامت في أعمق أسئلته. اقرأ كل ما يُنتَج يوميًا ثم ابحث عن سؤال واحد: ماذا يريد الأردن لنفسه؟ ليس للقضية ولا للاستقرار الإقليمي ولا للشرق الأوسط الجديد. لنفسه هو — عن هويته التي تنضغط بين تنوعاتها ولم تجد تعريفها بعد، عن علاقته بأرضه وسرديته التي يُعيد كتابتها دون أن يُعلنها، عن معنى أن تكون أردنيًا حين تُسأل والجواب يتعثر في حلقك قبل أن يصل إلى لسانك. هذا السؤال غائب غيابًا لافتًا في سوق لا يتوقف عن الكلام.

‫لأن هذا السؤال لا يُلاقي إعجابات. السوق يُكافئ ما يُريح الجمهور لا ما يُقلقه. والسؤال الوجودي العميق — من نحن؟ ماذا نريد؟ — مُزعزِع بطبيعته. يستدعي مواجهة تاريخ رُسمت خرائطه في غرف لم يكن الأردني جالسًا فيها، وهوية لا تزال قيد التشكّل. فيكون الحل الأكثر ربحًا أن تتكلم عن واشنطن وطهران، وتتجنب عمّان.

‫الكاتب الحقيقي في هذا السوق هو الذي يرفض أن يبيع. يرفض لأنه يعرف أن ثمة سؤالًا لا يجد مشتريًا — وهو بالضبط السؤال الذي يستحق أن يُكتب. لا يكتب لأن الخوارزمية تُكافئ ولا لأن الجمهور يُصفّق، بل لأن الصمت عن بعض الأشياء أكثر كلفةً من قولها. هذا الكاتب نادر في كل سوق، وأكثر ندرةً حين يكون السوق مزدهرًا.

‫في موريتانيا، الحجر الذي يُصيب شاعرًا يُصيب ذاكرةً حيّة. في الأردن، الحجر الذي يُصيب محللًا يُصيب بضاعةً تنتهي صلاحيتها غدًا. والفرق ليس في الموهبة ولا في الذكاء ولا في حجم البلد. الفرق أن الشاعر الموريتاني يعرف من هو، ويكتب من هذه المعرفة. أما السؤال الذي لا يزال معلّقًا في هواء السوق الأردني — ذلك السؤال الذي لا يجد كاتبه لأن السوق لا يدفع ثمنه — فلا يزال ينتظر. وسيظل ينتظر طالما كان الجميع مشغولين بالبيع

مواضيع قد تعجبك