*
الاحد: 29 آذار 2026
  • 25 يناير 2026
  • 17:59
تخطيط وتخبيط في الزاوية قراءة هادئة لفوضى الفواتير
الكاتب: د.آيات الشاذلي

لم تكن صدمة فواتير الكهرباء الأخيرة التي أثقلت كاهل الأسر الأردنية مجرد حدث عابر أو خطأ تقني، بل هي عرضٌ لمرض أعمق، ونتيجة حتمية لسنوات من التخطيط المتعثر والتخبط في إدارة أحد أهم ملفات السيادة الوطنية: الطاقة. وفي خضم الضجيج الشعبي المحق، والاتهامات المتبادلة، تغيب عن المشهد قراءة أكثر هدوءاً وعمقاً، لا تبحث عن كبش فداء، بل تحاول تفكيك شيفرة الأزمة من زاوية الاقتصاد السياسي والاجتماعي.

إن القصة أبعد من مجرد زيادة الاستهلاك في فصل الشتاء. فبينما يعاني المواطن من قفزات الفاتورة، تُظهر بيانات شركة الكهرباء الوطنية أن بنية التعرفة الكهربائية نفسها مصممة لتكون “عقابية”. فالانتقال من شريحة استهلاك (1-300 كيلوواط/ساعة) بسعر 50 فلساً، إلى شريحة (301-600 كيلوواط/ساعة) بسعر 100 فلس، يعني مضاعفة الكلفة بمجرد تجاوز الاستهلاك لحاجز الـ 300 كيلوواط ولو بكمية بسيطة. هذا التصميم يتجاهل حقيقة أن متوسط دخل الأسر الأردنية يكافح لتغطية الأساسيات، ويجعل من التدفئة في الشتاء ترفاً باهظ الثمن.

الزاوية الخفية التي يتجنب الكثيرون النظر إليها هي “كلفة الفرص الضائعة”. فبحسب تصريحات رسمية، كلّف انقطاع الغاز المصري الخزينة ما مجموعه ستة مليارات دولار، وهو مبلغ كان كفيلاً بإحداث ثورة في قطاع الطاقة المتجددة لو تم توجيهه بشكل صحيح. ماذا لو أن جزءاً من هذا المبلغ الضخم قد وُجِّه لدعم آلاف الأسر لتركيب أنظمة طاقة شمسية؟ كنا اليوم أمام شبكة أكثر مرونة، وفاتورة أقل وطأة، ومواطن شريك في الحل. فمع أن الأردن، وبحسب تقارير وزارة الطاقة، قد حقق قفزات جيدة بوصول مساهمة الطاقة المتجددة إلى حوالي 29% من توليد الكهرباء، إلا أن هذا الرقم لا يزال بعيداً عن استغلال الإمكانات الهائلة لبلد يتمتع بأكثر من 300 يوم مشمس سنوياً.

هذا يقودنا إلى البعد الدولي والاعتماد على الاستيراد. تشير بيانات ميزان الطاقة لعام 2023 إلى أن الأردن لا يزال يستورد جزءاً كبيراً من احتياجاته الطاقوية، مما يجعل أمن الطاقة الوطني رهينة للتقلبات الجيوسياسية وأسعار الطاقة العالمية. فعلى سبيل المثال، تظهر أرقام شركة الكهرباء الوطنية أن الخسائر المتراكمة للشركة تجاوزت 75% من رأسمالها المدفوع في سنوات سابقة، وهو ما يعكس حجم الضغوط المالية الناتجة عن كلفة شراء الطاقة. إن الاعتماد على الذات في مجال الطاقة ليس ترفاً، بل هو صمام أمان اقتصادي وسياسي. كل كيلوواط ساعة نولّده من شمسنا ورياحنا هو خطوة نحو التحرر من ضغط الديون وتقلبات الأسعار العالمية.

إن “ترند” الفواتير المرتفعة ليس مجرد موجة غضب عابرة، بل هو مؤشر على تآكل العقد الاجتماعي. عندما يشعر المواطن أن السياسات الاقتصادية تُصمّم في أبراج عاجية، بمعزل عن قدرته على التحمل، فإنه يفقد الثقة في جدوى التخطيط برمته. المشكلة ليست فقط في الفاقد الفني للشبكة، بل في فاقد الثقة بين صانع القرار ومتلقي الخدمة.

إن الخروج من هذه الدوامة لا يكمن في تبريرات تقنية أو وعود فضفاضة، بل يتطلب إعادة نظر جذرية في فلسفة قطاع الطاقة. يجب أن تنتقل الدولة من دور “الجابي” إلى دور “المُمكّن”، عبر سياسات دعم حقيقية وذكية للطاقة المتجددة على مستوى المنازل، ومراجعة بنية التعرفة لتكون عادلة وتحفيزية، وفتح حوار وطني شفاف حول كلفة الطاقة الحقيقية ومستقبلها الذي تطمح فيه المملكة للوصول إلى 50% من الكهرباء المولدة من مصادر متجددة بحلول عام 2030. قبل أن نطلب من المواطن أن يقرأ فاتورته بهدوء، على الدولة أن تقرأ واقعه بعمق ومسؤولية.

 

مواضيع قد تعجبك