بالله عليكم… أيُّ ميزانٍ هذا، حدّثونا بصدق ما هو الميزان الحقيقي الذي تُوزن به الأوطان أبناءها
في البداية ومن باب الوضوح لا الادعاء، أؤكد أن حب الوطن والولاء لقيادته الهاشمية وعميدها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه ليسا محل مزاودة، ولا مجالًا للتشكيك. فهذه القيم لم تكن يومًا شعارات نرفعها عند الحاجة، بل ممارسة متجذرة في السلوك والتاريخ الشخصي والعائلي. هناك عدد كبير من أبناء العائلة خدموا في مؤسسات الوطن المدنية والعسكرية ، مؤدين واجبهم بتفانٍ وإخلاص، بعيدًا عن الأضواء والضجيج.
أما على الصعيد الشخصي، فلا أدّعي بطولة، ولا أبحث عن اعتراف. يكفيني أن أقول إنني كنت – وما زلت – جنديًا مجهولًا في خدمة الوطن، هناك مواقف وظروف محددة اقتضت مني العمل بصمت فكنت في المقدمة نحوها، من أجل مصلحة الوطن وقيادته.
أكتب اليوم لا لإزايد على أحد، بل لأحذّر، ولا لإوشكّك، بل لأدعو إلى تصويب مسار متعرج، إيمانًا بأن أعلى درجات الولاء هي الصراحة حين يكون الصمت مُكلفا
أن هذا المقال ليس طلبًا لوظيفة، ولا سعيًا لمنصب، ولا محاولة لتسجيل موقف شخصي متأخر. فكاتب هذه السطور قد أمضى ما يزيد على أربعة عقود في خدمة الوطن والعائلة الهاشمية وكبار رجالات الدولة والمواطنين الأردنيين، من خلال مواقع في مؤسسات مختلفة ، مدنية وعسكرية داخل الوطن وخارجه، مؤديًا واجبه بما تيسّر من جهد وإخلاص، دون انتظار مقابل أو امتياز. إن ما أكتبه هنا اليوم لا يصدر عن إحباط فردي، بل عن إحساس متراكم بالمسؤولية الوطنية، يفرض على من شهد التجربة، وعايش التحولات، أن يشير بوضوح إلى جميع مواقع الخلل.
إن السكوت عن الخطأ، حين يصبح نمطًا، لا يُعدّ حكمة، بل مشاركة غير مباشرة في نتائجه. ومن هذا المنطلق يأتي هذا المقال كقراءة نقدية مخلصة لمسارات إذا استمرت على حالها، فإن مردودها لن يكون إداريًا فحسب، بل سيمتد ليطال الثقة العامة، وتماسك المؤسسات، ومناعة الوطن من الداخل. فالتحذير الصادق، مهما بدا قاسيًا، يظل أصدق أشكال الولاء، وأعمقها
فأي معادلة تلك التي تجعل العطاء الطويل عبئًا، والصمت المخلص تهميشًا، والتضحية تذكرة انتظار بلا نهاية؟
نحن لسنا طارئين على هذا الوطن، ولسنا ضيوفًا عابرين في تاريخه. نحن أبناؤه الذين تشكّل وعيهم على فكرة واحدة: أن الوطن يُبنى بالعلم، ويُحمى بالعمل، ويُصان بالولاء.لقيادته الهاشمية ونظامه الملكي، أجدادنا زرعوا، وآباؤنا ثابروا، ونحن أكملنا الطريق على قناعة راسخة بأن من يخدم بإخلاص لا يُقصى، وأن من يعطي بلا حساب لا يُنسى.وأن الآردني يبقى إبن وطن مهما قست الظروف وجار الزمان.
خدمنا الوطن حيث طُلب منا: في المكاتب، وفي ميادان الشرف القاسية، في الظل أكثر مما في الضوء. لم نرفع أصواتنا طلبًا للامتياز، ولم نُتقن فن الشكوى، بل آثرنا الصبر، واعتبرناه جزءًا من الانتماء. وقفنا مع الوطن لا لأننا ننتظر مقابلًا، بل لأننا نؤمن أن الأوطان لا تُقايَض.
لكن ما نراه اليوم يفرض علينا أن نسأل، لا بدافع التمرد، بل بدافع الفهم.كيف يتحول من لم يكن يومًا في صف الوطن إلى صاحب قرار ومنصب، كيف تُفتح الأبواب على مصاريعها لمن أساء للوطن في العلن وتغلق بإحكام في وجه من أخلص وعمل وأجتهد.
كيف يصبح القرب من النفوذ أهم من القرب من الحقيقة، وتغدو العلاقات أثمن من الكفاءة، والضجيج أعلى شأنًا من العمل الصامت؟
لسنا ضد أحد، ولسنا أوصياء على الوطنية. لكننا نرفض أن يُعاد تعريفها بطريقة تُفرغها من معناها الصحيح. نرفض أن يتحول الولاء إلى شعار موسمي، والكفاءة إلى تفصيل ثانوي، والعدالة إلى وعد مؤجل لا يأتي. نرفض أن نشعر، نحن أبناء هذه الطبقة، أننا مواطنون من درجة أقل في وطن ساهمنا في بنائه وحمايته.
وهنا يأتي السؤال الأكثر إيلامًا: هل كنا سُذّجًا حين آمنّا أن الاستقامة طريق، لا عبء؟ أم أن اللعبة تُدار بقواعد لم نُخبَر بها، ومسارات لم يُسمح لنا بدخولها؟ هل أخطأنا حين صدقنا أن الوطن للجميع؟
إن أخطر ما في هذا الواقع ليس الحرمان من المناصب أو تعطيل المعاملات والمشاريع، بل تآكل الإيمان بالمعنى. حين يشعر المخلص أن إخلاصه لا يُرى، وأن صبره لا يُقدَّر، يبدأ الشرخ الحقيقي؛ شرخ الثقة بين المواطن وفكرة العدالة، بين الجهد والنتيجة، بين الوطن وأبنائه الأوفياء.
نحن لا نطلب المستحيل، ولا نبحث عن صدقات. نطلب وضوحًا، ومعيارًا لنيل أبسط حقوقنا التي لم نكن لنحصل على بعضها إلا من خلال عدالة المحاكم بعد إنتظار طويل ، نطلب ميزانًا لا يميل إلا للحق. نتمنى أن يشعر ابن هذا الوطن أن طريقه، مهما طال، يؤدي إلى مكانٍ ما، لا إلى فراغ.
أناشدكم اليوم من القلب بالله عليكم أن كان لديكم أو مع أقاربكم أو معارفكم وصفة سحرية للترقية والتمكين، أخبرونا بها، كي لا نموت واقفين على أبواب الانتظار.وإن لم تكن، فأنقذوا ما تبقى من يقينٍ في صدورنا، قبل أن يتحول الإخلاص إلى خيبة، والصبر إلى ندم، في قلوب أبن الوطن.
حمى الله الأردن الغالي وطنناً حراً عزيزاً شامخاً بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله ورعاه.



