لم يكن حديث جلالة الملك عبد الله الثاني عن الحياة الحزبية خلال لقائه بالمكتب الدائم لمجلس النواب حديثاً بروتوكولياً أو توصيفياً لمرحلة قائمة بل جاء محملاً برسائل سياسية عميقة تعكس انتقال الأردن من مرحلة الإطار التشريعي للتحديث السياسي إلى مرحلة اختبار الفاعلية والممارسة.
أولى هذه الرسائل أن الدولة لم تعد معنية بوجود أحزاب عددية أو شكلية بقدر ما هي معنية بوجود أحزاب برامجية قادرة على التأثير داخل البرلمان التأكيد الملكي المتكرر على تطوير آليات العمل الحزبي يفهم منه أن المرحلة المقبلة ستقاس فيها الأحزاب بقدرتها على تقديم حلول واقعية وتمثيل مصالح اجتماعية واضحة لا بالاكتفاء بالشعارات أو الخطاب التعبوي.
الرسالة الثانية تتعلق بموقع مجلس النواب في المعادلة الحزبية اختيار المكتب الدائم لا الكتل أو رؤساء الأحزاب يحمل دلالة واضحة بأن المؤسسة التشريعية هي الساحة الحقيقية لاختبار نضج التجربة الحزبية فالحياة الحزبية التي لا تنعكس سلوكاً تشريعياً منضبطاً وتحالفات واضحة ورقابة فاعلة تبقى خارج أهداف التحديث السياسي الذي يقوده جلالة الملك
أما الرسالة الثالثة فهي أن الدولة ترى في العمل الحزبي أداة استقرار لا أداة صراع الحديث عن التنسيق بين السلطات وعن خدمة المواطن كأولوية يشير إلى أن الأحزاب مطالبة بالعمل ضمن منطق الدولة ومصالحها العليا لا في مواجهتها وهو ما ينسجم مع الرؤية الملكية التي تعتبر التعددية السياسية عامل قوة عندما تدار ضمن قواعد دستورية واضحة.
وتبرز رسالة رابعة موجهة إلى الشارع السياسي مفادها أن الوقت لم يعد يسمح بالتردد أو الانتظار فالتحديث السياسي كما أراده الملك لم يعد مشروعاً نخبوياً أو تجريبياً بل مساراً وطنياً يستدعي من الأحزاب والنخب البرلمانية الانتقال من مرحلة التحضير إلى مرحلة الإنجاز خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية ستختبر صدقية الجميع.
مجمل القول،،، فإن حديث جلالة الملك عن الحياة الحزبية يعكس قناعة راسخة بأن نجاح التجربة لا يتحقق بالنصوص وحدها بل بسلوك سياسي جديد يعيد الاعتبار للبرامج ويحول البرلمان إلى ساحة تنافس سياسي منظم ويمنح المواطن حقيقياً للإيمان بالعمل الحزبي كطريق للتأثير وصنع القرار.
غيث القرالة



