*
الاحد: 18 يناير 2026
  • 18 يناير 2026
  • 00:23
نحو تعليم تمريضي أكثر أمانًا في الجامعات الأردنية الذكاء الاصطناعي كخيار استراتيجي
الكاتب: الدكتور عامر بني أحمد

في ظلّ التحديات المتزايدة التي يواجهها القطاع الصحي في الأردن، يبرز ملف تعليم التمريض كأحد أكثر الملفات إلحاحًا، وسط تساؤلات متصاعدة حول قدرة الجامعات الأردنية على مواكبة التحولات العالمية في استخدام الذكاء الاصطناعي، بما يضمن تخريج ممرضين أكثر كفاءة وأمانًا، خصوصًا مع الزيادة المستمرة في أعداد طلبة التمريض مقابل محدودية فرص التدريب السريري في المستشفيات التعليمية.

يشهد العالم تحولًا متسارعًا في توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع الصحي، حيث لم يعد هذا التطور خيارًا مستقبليًا أو رفاهية تقنية، بل ضرورة تفرضها متطلبات سلامة المرضى وجودة التعليم. وفي الوقت الذي بدأت فيه دول عديدة بدمج الذكاء الاصطناعي في تعليم التمريض، ما يزال هذا الملف في الجامعات الأردنية بحاجة إلى نقاش جاد وخطوات عملية تتناسب مع حجم التحديات التي يواجهها النظام الصحي.

يواجه تعليم التمريض في الجامعات الأردنية تحديات واضحة، أبرزها محدودية التدريب السريري الفعلي نتيجة ازدياد أعداد الطلبة مقابل طاقة استيعابية محدودة في المستشفيات التعليمية. فكثير من الطلبة يتخرجون وهم يمتلكون معرفة نظرية جيدة، لكنهم يفتقرون إلى الجاهزية العملية والثقة في اتخاذ القرار السريري تحت الضغط، ما يخلق فجوة حقيقية بين التعليم الأكاديمي ومتطلبات الواقع العملي.

في هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كحل عملي وواقعي يمكن أن يسهم في سد هذه الفجوة، ليس من خلال استبدال التدريب السريري الحقيقي، بل عبر توفير بيئة تعليمية آمنة تسبق التعامل المباشر مع المرضى. إذ تتيح تقنيات المحاكاة الذكية للطالب التعامل مع حالات سريرية تحاكي الواقع، والتدرّب على اتخاذ القرار، وارتكاب الأخطاء والتعلّم منها دون تعريض المرضى لأي مخاطر.

الأخطاء التمريضية التي تظهر في بيئة العمل لا تبدأ غالبًا داخل المستشفى، بل تعود جذورها إلى مرحلة الإعداد والتدريب. فالممرض حديث التخرج، الذي يعمل تحت ضغط ويفتقر إلى التدريب الكافي على التفكير النقدي وإدارة المواقف المعقّدة، يكون أكثر عرضة للخطأ. ويساهم إدخال الذكاء الاصطناعي في التعليم التمريضي في تدريب الطلبة على إعطاء الأدوية، وحساب الجرعات، وقراءة المؤشرات الحيوية، والتعامل مع الحالات الحرجة، ما ينعكس مباشرة على تقليل الأخطاء وتحسين سلامة المرضى.

من جهة أخرى، لم يعد سوق العمل الصحي، داخل الأردن وخارجه، يكتفي بحمل شهادة تمريض فقط. فالمستشفيات اليوم تبحث عن خريج جاهز يمتلك مهارات سريرية حقيقية، وسرعة استجابة، وقدرة على التحليل واتخاذ القرار في بيئات عمل معقّدة. والجامعات التي تستثمر في تعليم حديث مدعوم بالذكاء الاصطناعي ترفع من فرص توظيف خريجيها، وتعزز سمعتها الأكاديمية، وتؤكد التزامها بجودة التعليم لا بعدد الخريجين فقط.

فالخريج القوي هو خريج يمتلك المهارات والكفاءات التي تؤهله للعمل ضمن الأنظمة الصحية الأوروبية والأمريكية، بحيث يصبح مطلوبًا منه فقط مراجعة المحتوى والتحضير لاجتياز امتحانات البورد، سواء الأمريكية أو البريطانية أو الكندية أو الأسترالية أو الألمانية وغيرها، دون الحاجة إلى إعادة بناء مهاراته من الصفر. وهذا النهج لا يخدم الخريج وحده، بل ينعكس مباشرة على بناء نظام صحي أكثر أمانًا وكفاءة.

أما المخاوف من أن الذكاء الاصطناعي قد يلغي دور عضو هيئة التدريس، فهي مخاوف غير دقيقة. فعلى العكس، تسهم هذه التقنيات في دعم المدرس ومنحه أدوات أفضل لمتابعة أداء الطلبة، وتحديد نقاط الضعف، وتوجيه العملية التعليمية نحو التفكير العميق بدل الانشغال بالتقييم الروتيني، مع بقاء الأستاذ حجر الأساس في العملية التعليمية.

وفي ضوء ما سبق، فإن تطوير تعليم التمريض في الجامعات الأردنية يتطلب خطوات عملية واضحة، تبدأ بدمج المحاكاة السريرية الذكية ضمن الخطط الدراسية، وتدريب أعضاء هيئة التدريس على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التعليمية، وتعزيز الشراكة بين الجامعات والمستشفيات التعليمية. كما يستدعي الأمر تحديث معايير اعتماد برامج التمريض لتشمل هذه التقنيات كجزء من جودة التعليم، بما يضمن تخريج ممرضين أكثر جاهزية، ويعزز سلامة المرضى وكفاءة النظام الصحي.

اليوم، تقف الجامعات الأردنية أمام خيار واضح: إما الاستمرار في تعليم تقليدي يُنتج خريجين يواجهون صدمة الواقع الصحي، أو الانتقال إلى تعليم حديث يستثمر في الذكاء الاصطناعي ويضع سلامة المريض وجودة الرعاية في مقدمة الأولويات. فالعالم لا ينتظر، وسوق العمل لا يرحم، والقطاع الصحي لا يحتمل المزيد من التأخير.

إن إدخال الذكاء الاصطناعي في تعليم التمريض في الجامعات الأردنية لم يعد خيارًا مستقبليًا، بل ضرورة وطنية ومسؤولية تعليمية وأخلاقية؛ فأي تأخير في تطوير التعليم اليوم سيدفع ثمنه المريض غدًا، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي هو استثمار في كفاءة الممرض، وسلامة المريض، ومستقبل النظام الصحي الأردني.

مواضيع قد تعجبك