وقد ألحقت هذه الحرب أضراراً بالغة بقُدرات إيران الدفاعية، وبمنشآتها النووية، فضلاً عن العديد من المواقع العسكرية والصناعية.

في الوقت ذاته، لم يكن وضْع إيران إقليمياً أحسنَ حالاً؛ فقد خسر النظام الإيراني حليفاً رئيسياً له بسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، كما أجهزت الضربات الإسرائيلية المتواصلة ضد حزب الله في لبنان على معظم قيادات الجماعة.

وأخيراً، جاءت العملية الأمريكية في فنزويلا - بانتزاع الرئيس مادورو وزوجته سيليا فلوريس من عُقر داره - لتترك الخيارات أمام النظام الإيراني أكثر محدودية.

هذه التطورات أعادت ترتيب البيئة الإقليمية والدولية بالنسبة لإيران التي تناقَص عددُ حلفائها الذين يمكن الاعتماد عليهم في صراعات إقليمية، كما تناقص عدد القنوات التي يمكن عبرها إرسال عائدات النفط إلى الخارج.

وهذا بالتحديد أمرٌ بالغ الأهمية؛ نظراً لاعتماد إيران بشكل كبير على قطاع النفط الفنزويلي إلى جانب روسيا، كما تعتمد طهران على شبكة مالية معقّدة ترتبط بأسواق يُعتقد أنها في الصين.

ومن شأن تعطيل هذه الشبكات أن يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي في إيران بينما يعاني نظامُها الحاكم في الوقت ذاته ضغوطاً داخلية متزايدة.

وفي ظلّ هذه الأجواء، يبدو المرشد الأعلى خامنئي في مواجهةِ واحدةٍ من أصعب لحظات عدم اليقين في تاريخ حُكمه.

ففي وقت قصير نسبياً تقوّضت أو تدمّرت جهودُ أكثر من ثلاثة عقود من التخطيط بعناية شهدت بناء أذرُع إقليمية، وبناء آليات للتهرُّب من العقوبات، وتدشين بنية تحتية نووية.

وفي ظل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ووجود نتنياهو على رأس السُلطة في إسرائيل، لا يبدو هنالك أمام النظام الإيراني أيّ مسار دبلوماسي أو استراتيجي للخروج من الأزمة الراهنة بدون ثمن فادح.

وعلى مدى سنوات، برّر خامنئي ورجالُه الإنفاق بسخاء على حلفاء إقليميين وعلى البرنامج النووي باعتبارها استثمارات ضرورية للأمن القومي الإيراني طويل المدى؛ وهكذا كان الأمن يُقدَّم على أنه المردود النهائي لكل هذه السياسات.

واليوم، يتضّح بشكل متزايد أن هذه السردية "جوفاء"؛ فمع تنامي الضغوط من الخارج والداخل، يبدو الأمن في إيران أبعَد مما كان في أي وقت على الإطلاق.