عندما وصل المستكشفون الإسبان لأول مرة إلى الساحل الشمالي لأمريكا الجنوبية — فنزويلا الحالية — اعتقدوا أنهم بلغوا تخوم إلدورادو، المدينة الأسطورية التي قيل إن شوارعها مرصوفة بالذهب، رمز الثروة التي أسرت المخيلة الأوروبية طويلاً.
لكن إلدورادو لم تكن موجودة، على الأقل ليس بالشكل الذي حلم به الغزاة الإسبان. غير أن فنزويلا كانت تخفي كنزاً آخر: الذهب الأسود.
فالنفط، المدفون تحت أراضي البلاد ومياهها، سيصبح العامل الحاسم في رسم مصير فنزويلا، التي تتمتع بأكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. ثروة جيولوجية وعدت بالرخاء والنفوذ، وشكّلت تاريخ فنزويلا الحديث.
تشير محلّلة شؤون الطاقة فابيانا لامبوغليا إلى أن "النفط كان دائماً حجر الأساس في الاقتصاد الفنزويلي"، إذ شكّل دعامة الدولة والعملة ومكانة البلاد في النظام الاقتصادي العالمي.
النفط: محرك التنمية
اكتشف النفط في فنزويلا لأول مرة عام 1922، في فترة منحت فيها السلطات الحاكمة امتيازات لشركات أجنبية للتنقيب عن النفط الخام وإنتاجه.
هذه الامتيازات منحت الشركات حق استخراج النفط وبيعه لفترة زمنية محددة، مقابل ضرائب تُدفع للدولة.
وبحلول منتصف ثلاثينات القرن الماضي، كان معظم إنتاج فنزويلا النفطي خاضعاً لسيطرة ثلاث شركات تعمل ضمن هذا الإطار: مجموعة "شل" الأنجلو-هولندية، وشركتان أمريكيتان هما "ستاندرد أويل" و"غَلف أويل"، التي أصبحت لاحقاً جزءاً من شركة "شيفرون".
أسهمت الشركات الغربية، ولا سيما الأمريكية، في ترسيخ الإنتاج النفطي، وجلبت رأس المال والتكنولوجيا، وربطت النفط الفنزويلي بالأسواق العالمية، واضعةً الأسس لاقتصاد نفطي موجّه للتصدير سيهيمن على البلاد لعقود.
ويقول محلل أسواق الطاقة روبرت رابير، إن تلك الشركات لعبت دوراً كبيراً في تطوير صناعة النفط في فنزويلا من الناحية التقنية. ويشير إلى أن معظم نفط فنزويلا ثقيل ومعقّد الاستخراج، ويتطلب خبرات خاصة وعمليات معالجة متقدمة، وفرتها الشركات الغربية.
يشير رابير إلى أن الولايات المتحدة طوّرت جانباً كبيراً من هذه الخبرة خلال القرن العشرين، ويؤكد أن هذا يعود جزئياً إلى أن المنتجين والمصافي الأمريكية اضطروا للتعامل مع موارد نفط متزايدة الثقل قبل وقت طويل من طفرة النفط الصخري. يضيف أن هذا الواقع "جعل الشركات الأمريكية لاعباً محورياً في تطوير صناعة النفط الفنزويلية."
بحلول منتصف القرن العشرين، كان النفط قد حوّل فنزويلا إلى واحدة من أغنى دول أمريكا اللاتينية. فقد توسّع الاقتصاد بسرعة، وساهمت الحقول النفطية حول بحيرة ماراكايبو في منح البلاد لقب" كويت أمريكا الجنوبية". وعلى مدى عقود، موّلت صادرات النفط خزينة الدولة ورسّخت موقع فنزويلا في أسواق الطاقة العالمية.
حالة من اللامساواة
لكن تحت هذا الثراء، كانت تتجذّر حالة عميقة من اللامساواة. فالثروة النفطية لم تصل إلى الجميع. وحتى في فترات الازدهار الظاهري، استمرت الانقسامات الاجتماعية، التي بدت واضحة في الأحياء العشوائية المنتشرة على سفوح التلال وأطراف المدن الكبرى. وتحوّلت فنزويلا إلى نموذج كلاسيكي لـ"الدولة الريعية"، التي يعتمد اقتصادها بشدة على صادرات النفط، مع ضعف التنويع الاقتصادي وقلة الحوافز لبناء قاعدة ضريبية داخلية واسعة.
هذا النموذج شكّل أيضاً طبيعة العلاقة بين فنزويلا والولايات المتحدة. فخلال معظم القرن العشرين، كانت الروابط بين كراكاس وواشنطن قائمة بالدرجة الأولى على الطاقة. وقد ربط النفط البلدين اقتصادياً واستراتيجياً، لكن مكاسبه لم تكن موزعة بالتساوي. وكما تشير لامبوغليا، فإن الشركات والعمال الأمريكيين غالباً ما حصلوا على حصة غير متكافئة من العوائد، بما يعكس التفاوت الأوسع الذي طبع المجتمع الفنزويلي.
تأميم النفط وولادة شركة النفط الوطنية
بحلول سبعينات القرن الماضي، سعت فنزويلا إلى بسط سيطرة أكبر على موردها الأهم. وبصفتها عضواً مؤسساً في منظمة أوبك، انضمت إلى دول منتجة أخرى، مثل السعودية، في تأميم صناعتها النفطية، بهدف التحكم بشكل أكبر في الإيرادات وسياسات الإنتاج وسط تحولات في أسواق الطاقة العالمية. أفضت هذه الخطوة إلى إنشاء شركة النفط الوطنية "بي دي في إس إيه".
وفي عام 1976، ألغت الحكومة الفنزويلية نظام الامتيازات الذي كانت تعمل بموجبه الشركات الأجنبية لعقود، وتولت الشركة الوطنية الجديدة السيطرة على الاستكشاف والإنتاج والتصدير، مع دفع تعويضات للشركات المتضررة، بما في ذلك شركات أمريكية كبرى، وفق اتفاقات تفاوضية.
ورغم انتقال الملكية إلى الدولة، لم تنغلق الصناعة على نفسها. فقد واصلت "بي دي في إس إيه" العمل إلى جانب شركات أجنبية، بينها شركات أمريكية، عبر التعاون التقني والخدمات والشراكات. وتمتعت الشركة باستقلالية فنية كبيرة، واعتمدت على خبرات أجنبية، ما أكسبها سمعة كواحدة من أكفأ شركات النفط الوطنية في العالم.
غير أن هذا الاستقرار كان هشّاً.
صعود تشافيز
ففي أواخر ثمانينات وبدايات تسعينات القرن الماضي، دخلت فنزويلا أزمة اقتصادية حادة. فقد أدت تراجع عائدات النفط إلى الضغط على المالية العامة، فيما فجّرت إجراءات التقشف، مثل خفض الدعم ورفع أسعار الوقود والنقل، احتجاجات واسعة في أنحاء البلاد. واجهت الدولة هذه الاضطرابات بالقوة، ما أسفر عن مئات القتلى.
في هذا السياق، برز هوغو تشافيز. ضابط عسكري نشأ في إحدى أفقر مناطق فنزويلا، بعيداً عن مراكز الثروة النفطية والسلطة السياسية. وتزامنت سنوات تكوينه مع مرحلة ترافقت فيها ثروات نفطية هائلة مع لا مساواة عميقة، وهو ما أسهم في تشكيل رؤيته السياسية.
وفي عام 1992، قاد تشافيز محاولة انقلاب فاشلة ضد الحكومة، مقدّماً نفسه كزعيم قومي في مواجهة الظلم الاجتماعي والضائقة الاقتصادية. ورغم فشل المحاولة، فإن خطابه التلفزيوني الذي تحمّل فيه المسؤولية حوّله إلى شخصية وطنية بين عشية وضحاها، لا سيما لدى الفئات الفقيرة والمهمّشة.
بعد قضاء فترة سجن قصيرة، عاد تشافيز إلى الحياة العامة كسياسي مدني. وفاز في انتخابات 1998 وتولى الرئاسة عام 1999، مستفيداً من موجة الغضب الشعبي من التدهور الاقتصادي والفساد وعدم المساواة.
مثّل صعود تشافيز قطيعة حاسمة مع ماضي فنزويلا، ومهّد لتحوّل عميق في صناعة النفط والاقتصاد السياسي للبلاد.
في السنوات الأولى من حكمه، استفاد تشافيز من ارتفاع أسعار النفط عالمياً لتمويل توسّع واسع في البرامج الاجتماعية المموّلة من الدولة. وبين مطلع ومنتصف العقد الأول من الألفية، ومع صعود الأسعار فوق 60 ثم 100 دولار للبرميل، قفز الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم والإسكان.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الفقر في فنزويلا تراجع من نحو 50 في المئة في أواخر التسعينات إلى نحو 30 في المئة بحلول عام 2006 مع تمكن ملايين الفنزويليين من الوصول إلى الخدمات الأساسية بشكل أفضل.
في الوقت نفسه، سعى تشافيز إلى إعادة صياغة علاقة الدولة بصناعة النفط، مطالباً بدور أكبر لعائدات النفط في تمويل أولويات حكومته.
أدى ذلك إلى تصاعد التوتر مع قطاعات من المؤسسة النفطية التي اعتادت العمل باستقلالية فنية وإدارية عالية.
بلغ هذا التوتر ذروته أواخر 2002 وبدايات 2003، عندما شلّ إضراب طويل قطاعات واسعة من الاقتصاد، بما فيها النفط.
كان الإضراب، الذي قادته قوى معارضة بمشاركة واسعة من إدارة وموظفي شركة النفط الوطنية، تحركاً مهنياً وسياسياً في آن واحد، إذ شكّل احتجاجاً على إدارة القطاع، كما مثّل تحدياً مباشراً لسلطة الحكومة آنذاك.
ردّت الحكومة بفصل آلاف الموظفين وإعادة تنظيم قيادة الشركة. وغادر أو أُبعد العديد من المديرين والمهندسين ذوي الخبرة، وشدّدت الدولة قبضتها على عملية صنع القرار داخل الشركة.
تزامنت هذه الفترة مع تسجيل أرقام احتياطيات فنزويلا من النفط تحولاً كبيراً. فبحسب رابير، كانت موارد فنزويلا الكبيرة من النفط معروفة منذ زمن، لكن جزءاً كبيراً من الخام الثقيل لم يكن يُعد مجدياً اقتصادياً لذلك لم يكن يحتسب ضمن احتياطات البلاد المؤكدة من الخام. ومع ارتفاع الأسعار في العقد الأول من الألفية وتقدّم تقنيات الاستخراج، أُعيد تصنيف كميات ضخمة من الموارد كاحتياطيات مُثبتة، ما جعل فنزويلا صاحبة أكبر احتياطي في العالم.
خروج الشركات الأجنبية
تُوّج المسار الدي انتهجه تشافيز لإدارة النفط عام 2007 بإجراءات وضعت الدولة في مواجهة مباشرة مع شركات النفط الأجنبية. إذ أعادت الحكومة التفاوض على العقود، واشترطت أن تمتلك الشركة الوطنية حصص أغلبية في المشاريع الكبرى، وطُلب من الشركات القبول بالشروط الجديدة أو مغادرة البلاد.
رفضت شركتا "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس" الأمريكيتان تعديل عقودهما وغادرتا فنزويلا. ولجأت الشركتان لاحقاً إلى التحكيم الدولي، معتبرتين أن استثماراتهما صودرت دون تعويض عادل. وفي عام 2019، أمرت هيئة تحكيم تابعة للبنك الدولي فنزويلا بدفع 8.7 مليارات دولار لـ"كونوكو فيليبس"، وهو مبلغ لم يُسدّد حتى اليوم.
تشكل هذه المرحلة أساس طريقة تفكير واشنطن حيال النفط الفنزويلي، وتمثل خلفية تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن فنزويلا "سرقت" أصولاً نفطية أمريكية.
لكن رابير يرى أن هذه مزاعم ترامب "غير دقيقة من الناحية التقنية"، إذ يؤكد أن النفط نفسه كان دائماً ملكاً لفنزويلا كدولة ذات سيادة، بينما ما استولت عليه الحكومة هو استثمارات ثابتة وبنى تحتية وضعت في الأرض ولم يكن بالإمكان سحبها، أما الخلاف فيتمحور حول التعويضات التي طالبت بها الشركات الأمريكية بعد خروجها من السوق.
لم تغادر جميع الشركات الأمريكية البلاد. فقد حافظت "شيفرون" على وجودها عبر مشاريع مشتركة مع "بي دي في إس إيه". وتشير تقديرات بلومبرغ إلى أن المشاريع المرتبطة بشيفرون تمثل نحو ربع إنتاج فنزويلا النفطي حالياً، ما يجعلها أبرز لاعب أمريكي متبقٍ في القطاع.
في السنوات التي أعقبت قرارات عام 2007، دخل الإنتاج النفطي في فنزويلا مساراً من التراجع. فقد تراجع من ذروة بلغت نحو 3.5 ملايين برميل يومياً في ذروة الإنتاج، إلى أقل من مليون برميل. ويعزو محللون هذا التراجع إلى سوء الإدارة والفساد وفقدان الخبرات الفنية ونقص الاستثمار المزمن. ويرى رابير أن تسييس القرارات أضعف قدرة القطاع على الحفاظ على الإنتاج، خصوصاً في ظل تعقيدات استخراج النفط الثقيل.
ثم جاءت عقوبات واشنطن لتفاقم الأزمة. فقد قيّدت الإجراءات الأمريكية الوصول إلى التمويل، وعرقلت استيراد المعدات والمخففات اللازمة للنفط الثقيل، وأثنت المستثمرين عن الدخول في السوق الفنزويلي. ورغم أن العقوبات لم تكن السبب الأصلي للانهيار، فإن محللين يقولون إنها ضيّقت مسارات التعافي.
مادورو ومزيد من الانهيار
تولّى نيكولاس مادورو السلطة عام 2013 خلفاً لهوغو تشافيز، في وقت كانت فيه فنزويلا قد بدأت بالفعل تعاني من اختلالات اقتصادية عميقة. وسرعان ما واجهت حكومته صدمة إضافية مع تراجع أسعار النفط اعتباراً من عام 2014، ما أدى إلى انهيار الإيرادات النفطية وجفاف تدفقات الدولار التي اعتمد عليها الاقتصاد لسنوات.
وفي ظل غياب إصلاحات اقتصادية وهيكلية كبرى، لجأت السلطات إلى سياسات تمويل بالعجز وطباعة النقود لسد الفجوات، ما أطلق موجة تضخم مفرط غير مسبوقة. وانكمش الاقتصاد عاماً بعد عام، فيما واصل الإنتاج النفطي تراجعه حتى مع تعافٍ جزئي للأسعار لاحقاً. ومع تفاقم الأزمة، دخلت فنزويلا مرحلة انهيار اقتصادي حاد، دفعت ملايين المواطنين إلى مغادرة البلاد بحثاً عن فرص عمل وخدمات أساسية في الخارج.
إدارة أمريكية؟
ومع دخول الأزمة السياسية في فنزويلا مرحلة جديدة، عاد النفط إلى صدارة النقاش حول مستقبل البلاد، هذه المرة من زاوية التدخل الأمريكي. وتقول لامبوغليا إن الفنزويليين يدركون تماماً أن النفط يقف في صلب كل نقاش حول المرحلة المقبلة في بلادهم.
وقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا إلى حين حصول انتقال سياسي، مضيفاً أن شركات أمريكية ستعود للاستثمار بكثافة في إعادة بناء قطاع النفط.
لكن لامبوغليا تحذر من أن هذا الخطاب يثير تساؤلات جوهرية حول السيادة، معتبرةً أن من الصعب تخيّل دور مهيمن للشركات الأمريكية مع احتفاظ فنزويلا بسيطرة حقيقية على أهم أصولها.
يحذر محللون أيضاً من توقع انتعاش سريع لصناعة النفط في فنزويلا. فبحسب محللة السلع كارولاين باين، لا تزال آثار مصادرات 2007 تثقل كاهل ثقة المستثمرين، إذ ترى أن الشركات الأمريكية تكبدت خسائر كبيرة حينها ولم تُعوض بالكامل، ما يجعلها مترددة في ضخ استثمارات ضخمة دون إشارات واضحة على استقرار سياسي وحوكمة جيدة.
بدوره يضيف رابير أن إعادة بناء الإنتاج ستستغرق سنوات حتى في أفضل الظروف. ويقول: "قد يكون بالإمكان زيادة الإنتاج ببضع مئات الآلاف من البراميل يوميا خلال عامين أو ثلاثة، لكن العودة إلى مستوى ثلاثة ملايين برميل يومياً تحتاج إلى عقد كامل أو أكثر، حتى لو سار كل شيء على نحو مثالي". ويشير إلى أن ذلك يتطلب مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية المتدهورة في وقت يلقي تراجع أسعار النفط العالمية ووفرة الإمدادات بظلاله على مدى جاذبية الاستثمار في النفط الفنزويلي.
وتضيف باين أن طبيعة النفط الفنزويلي نفسها تمثل تحدياً، إذ إن نحو 85 في المئة من الاحتياطيات نفط شديد الثقل، مكلف الاستخراج والتكرير. كما تشير إلى أن نمو الطلب العالمي بات مدفوعاً بشكل متزايد بالبتروكيماويات، التي تعتمد عادة على نفط أخف، ما يثير تساؤلات حول الطلب طويل الأمد على الخام الفنزويلي.
في المقابل يشير آخرون إلى الكلفة البيئية العالية لاستخراج وتكرير النفط الثقيل، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى أي سيناريو للتعافي.
أما بالنسبة للفنزويليين، فتبدو المعضلة مألوفة. فالنفط يظل أثمن أصول البلاد وأهم رافعة محتملة للتعافي، لكنه كان أيضاً، في مراحل مختلفة، عاملاً ساهم في تعميق الأزمات الاقتصادية، مع ما رافق الاعتماد المفرط عليه من هشاشة بنيوية.




