*
الخميس: 08 يناير 2026
  • 05 يناير 2026
  • 11:12
الأزمة الأمريكية  الفنزويلية ما وراء العناوين
الكاتب: العميد الدكتور زيد حمادنه

العميد (م) الدكتور زيد حمادنه

ليست الأزمة الأمريكية–الفنزويلية حدثًا عابرًا، ولا مجرد صدام سياسي، ولا يمكن اختزالها في اعتقال رئيس أو تغيير حكومة، بل نموذج مكتمل لصراع القوة في النظام الدولي، وحلقة متقدمة في عنفوان النفوذ داخل أمريكا اللاتينية، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة، والسيادة مع القانون، والمخدرات مع السياسة. وتُستخدم العناوين الأخلاقية لإدارة صراع استراتيجي صامت.

تقع فنزويلا في شمال قارة أمريكا الجنوبية، وتشرف على البحر الكاريبي، وتجاور كولومبيا والبرازيل، وتملك أحد أكبر احتياطيات النفط المؤكدة عالميًا، يقطنها قرابة ثلاثين مليون نسمة. هذا الموقع والثقل الطاقوي جعلاها تاريخيًا ضمن المجال الحيوي للولايات المتحدة، وفق منطق “عقيدة مونرو” التي ترى القارة الخلفية امتدادًا للأمن القومي الأمريكي.

تعود جذور الأزمة حين اختارت فنزويلا مسارًا سياسيًا واقتصاديًا مناهضًا للهيمنة الأمريكية، منذ عهد هوغو تشافيز، واستمرار هذا النهج مع نيكولاس مادورو. ومع الوقت، تراكمت داخليًا، أخطاء الإدارة الاقتصادية، وتراجعت مؤسسات الدولة، وخارجيًا فُرضت عقوبات قاسية سرّعت الانهيار، فالتقت الأزمة الداخلية مع الضغط الخارجي لتنتج حالة عدم استقرار مزمنة. وتحولت الأزمة إلى صراع مفتوح على الشرعية.

أعلنت الولايات المتحدة أن تدخلها يندرج ضمن مكافحة تجارة المخدرات وحماية الأمن القومي وحقوق الإنسان. غير أن المفارقة اللافتة أن فنزويلا ليست الممر الأكبر للمخدرات نحو الولايات المتحدة، ولا تسجل أعلى نسب التهريب مقارنة بدول أخرى في الإقليم. هذا التناقض يشير إلى أن ملف المخدرات يُستخدم كأداة شرعنة سياسية، لا كسبب جوهري للصدام. بينما الأهداف غير المعلنة تتصل بإعادة ضبط ميزان النفوذ في أمريكا اللاتينية، ومنع ترسخ الحضور الروسي والصيني في خاصرة واشنطن الجيوسياسية، إضافة إلى التحكم غير المباشر بمصادر الطاقة خارج النسق الغربي.

اعتقال الرئيس مادورو ونقله للمحاكمة أمام القضاء الأمريكي يمثل تحولًا خطيرًا في منطق العلاقات الدولية. فالقانون الدولي لا يجيز ملاحقة رئيس دولة ذات سيادة إلا عبر المحكمة الجنائية الدولية أو بقرار من مجلس الأمن. لكن واشنطن اختارت القضاء الفيدرالي، لا لأنه الإطار الأكثر شرعية، بل لأنه الإطار الأكثر خضوعًا لإرادتها السياسي، ولتثبت أن منطق القوة بات يتقدم على منطق الشرعية، ولأنها لا تعترف أصلًا بولاية المحكمة الجنائية الدولية عندما لا تخدم مصالحها.

ردود الفعل الدولية كشفت عمق الانقسام العالمي: دول في أمريكا الجنوبية رأت في الخطوة انتهاكًا للسيادة، روسيا والصين اعتبرتاها سابقة خطيرة، واكتفى الاتحاد الأوروبي بلغة دبلوماسية حذرة، بينما بقيت الأمم المتحدة رهينة توازنات مجلس الأمن.

ما جرى في فنزويلا يتجاوز شخص مادورو. إنه اختبار مباشر لفكرة الدولة ذات السيادة، ولمستقبل القانون الدولي في ظل عالم يتحول تدريجيًا من إدارة التوازن إلى إدارة الفوضى.

الخلاصة الاستراتيجية:
نحن أمام نموذج جديد في الصراع الدولي، وفنزويلا ليس استثناءً، بل نموذجًا قابلًا للتكرار. نحن أمام انتقال من نظام دولي تحكمه القواعد، إلى نظام يُدار بمنطق “الشرعية الانتقائية”، حيث يُمنح القانون لمن يخدم التوازنات، ويُسحب ممن يخرج عنها. فنزويلا اليوم ليست الهدف، بل الرسالة. والرسالة تقول بوضوح: من يخرج عن النسق، يُعاد ضبطه بالقوة، لا بالحوار.

مواضيع قد تعجبك