خبرني - الدكتور زيد احمد المحيسن
المياه ليست موردًا عاديًا يمكن الاستغناء عنه أو تأجيل التفكير فيه، بل هي سرّ الحياة وأساس الاستقرار الإنساني والحضاري، وبدونها تفقد الأرض قدرتها على العطاء، وتتعطل مسارات التنمية، وتضعف مقومات البقاء. وقد أنعم الله علينا هذا الموسم بهطولات مطرية تجاوزت التوقعات، ولا يزال الخير في بداياته، الأمر الذي يدعونا إلى الحمد والشكر، لكنه في الوقت ذاته يفرض علينا وقفة وعي وتأمل، فالمطر مهما كثر لا يعني بالضرورة زوال الأزمة، ولا يعفينا من مسؤولية التخطيط الرشيد والإدارة الحكيمة. إن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي وموارده الطبيعية المحدودة، يُعد من أفقر دول العالم مائيًا، وهذه الحقيقة لم تعد خافية على أحد، بل أصبحت معطى ثابتًا يجب التعامل معه بجدية وشفافية، بعيدًا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات الموسمية. فشح المياه في الأردن تحدٍّ وجودي يمسّ الزراعة التي تشكل ركيزة الأمن الغذائي، ويؤثر في الصناعة التي تعتمد على المياه كمكوّن أساسي للإنتاج، وينعكس على الخدمات والحياة اليومية للمواطن، بل وعلى صحة الإنسان وكرامته واستقراره. ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية وطنية مشتركة تبدأ من صانع القرار، ولا تنتهي عند المواطن، وتتطلب وعيًا عامًا بأهمية المحافظة على كل قطرة ماء، وترشيد الاستهلاك، وحماية المصادر من الهدر والتلوث. كما تتطلب من الحكومات الحالية والمستقبلية وضع مخطط وطني طويل الأجل لإدارة المياه، مخطط يقوم على أسس علمية واقتصادية واضحة، ويتبنى حلولًا غير تقليدية، ويستثمر في التكنولوجيا الحديثة، ويعزز ثقافة الاستخدام المسؤول، على أن يكون هذا المخطط ثابتًا ومستدامًا، لا يتغير بتغيّر الأشخاص أو المواقع، لأن قضية المياه أكبر من الأشخاص، وأعمق من السياسات المؤقتة. إن الحديث عن المياه هو حديث عن المستقبل، وعن حق الأجيال القادمة في الحياة الكريمة، وعن واجبنا الأخلاقي والوطني في صون هذا المورد الثمين، فبالماء تحيا الأوطان، وبدونه تذبل الأحلام، والوعي اليوم هو الخطوة الأولى نحو غدٍ أكثر أمنًا واستقرارًا.




