*
الجمعة: 02 يناير 2026
  • 31 ديسمبر 2025
  • 09:42
فيضانات الكرك وتوابعها
الكاتب: د. خالد ارخيص الطراونة

ما تشهده محافظة الكرك، وتحديدًا منطقة القلعة وما يحيط بها من مناطق كمنطقة المرج والثلاجة وغيرها من انهيارات متكررة لا يمكن اختزاله أو تبريره فقط بزيادة كميات الأمطار، رغم أن الهطولات الغزيرة تُعد عاملًا محفِّزًا. فالمشكلة أعمق وأكثر تعقيدًا، وترتبط ارتباطًا مباشرًا بطبيعة المنطقة الجيولوجية وبسوء التخطيط وضعف إدارة المخاطر.

فالمنطقة تقوم جيولوجيًا على تكاوين جيرية هشة ومتشققة، تتخللها تربة مفككة وطبقات متباينة في مقاومتها الميكانيكية، إضافة إلى وجود صدوع وتراكيب جيولوجية واضحة تمر في منطقة القلعة وتقطعها باتجاهات مختلفة، ما يجعل الكتل الصخرية أقل تماسكًا وأكثر عرضة للانزلاق والانهيار، خصوصًا عند تشبعها بالمياه.

ومع تسرب مياه الأمطار وعدم وجود نظام تصريف مائي مدروس، يزداد الضغط الهيدروستاتيكي خلف الجدران الاستنادية وحول الأساسات والشوارع الرئيسية، الأمر الذي يسرّع عمليات الفشل والانهيار، ويحوّل الهطول المطري من ظاهرة طبيعية إلى عامل تدميري.

صحيح أن دائرة الآثار العامة وسلطة المصادر الطبيعية قامتا في فترات سابقة بأعمال ترميم وتأهيل لبعض المواقع، إلا أن المنطقة بحاجةان يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الصخور، اتجاهات الصدوع، واستجابة التربة للمياه والأحمال.

إن تحميل الأمطار وحدها مسؤولية ما يحدث هو هروب من جوهر المشكلة؛ فالأسباب الحقيقية تتمثل في:

سوء التخطيط العمراني والبنى التحتية.

غياب دراسات جيولوجية وجيوتقنية تفصيلية قبل تنفيذ المشاريع.

تنفيذ أعمال إنشائية لا تراعي الشروط الهندسية الخاصة بالمناطق الحساسة.

غياب نظام تصريف مائي فعال ومستدام.

ما الذي يُنصح به اليوم؟

1. إعلان المنطقة منطقة خطورة جيولوجية وليس فقط منطقة منكوبة مؤقتًا.

2. إعداد دراسة جيولوجية وجيوتقنية شاملة تشمل الخرائط الصدعية، ثبات المنحدرات، وسلوك التربة.

3. إنشاء نظام تصريف مائي متكامل (سطحي وتحت سطحي) لتخفيف الضغط عن الجدران والمنحدرات.

4. إعادة تقييم جميع الجدران الاستنادية وتصميمها وفق معايير هندسية حديثة.

5. وقف أي أعمال بنية تحتية أو ترميمية عشوائية إلى حين اكتمال الدراسات.

6. اعتماد خطة رصد ومراقبة مستمرة للحركات الأرضية والتشققات.

ما يحدث في الكرك، وبالأخص في محيط القلعة، هو إنذار علمي واضح بأن التعامل مع المناطق التاريخية والحساسة لا يجوز أن يكون بردّات فعل، بل بمنهج علمي متكامل يحترم الجيولوجيا قبل الإسفلت والحجر.

… وللحديث بقية.

مواضيع قد تعجبك