*
الخميس: 01 يناير 2026
  • 01 يناير 2026
  • 18:38
محراب الأردن المفتوح على عتبة العام الجديد
الكاتب: عماد داود

قبل أن تدق الساعة منتصف الليل وتعلو الأجراس في رأس السنة، يقف الأردن عند عتبة زمنية استثنائية: ليس فصلًا بين الماضي والمستقبل، بل تأكيدًا أن الوحدة كانت دائمًا حاضرة، ممتدة، خالدة. 
الأصوات تتناغم من المآذن والكنائس، القلوب تتزين بالأخوة قبل الأضواء، والممارسات اليومية تشهد أن الفرح والتضامن لا يحتاجان إذنًا من التقويم. هذا هو المحراب المفتوح الذي لا يغلق أبدًا!

في الثمانينيات، كان طوني حنّا يطل علينا بأغنيته الشهيرة: «مرة بالسنة… يا بعيد الميلاد يا برأس السنة»، وكأن الفرح مؤجل، وكأن اللقاء يُمنح بإذن التقويم ثم يعود إلى سباته!
اليوم، الأردن ينفي بشمل عملي هذا التصور: وحدته نهج حياة يومي؛ ممتد في الشوارع والمدارس والعمل والقرى، وينبض في كل تفصيلة من تفاصيل العيش، وفي كل لحظة يجد فيها الإنسان أخاه إنسانًا قبل أي عنوان أو تصنيف.

ذات فجر أردني، حين تعطّل الأذان في إحدى القرى؛ جاء صوت الأجراس ليخاطب القلوب في تجربة إنسانية تصهر الاختلاف في بوتقة الوحدة. 
مسيحيونا ليسوا أقلية، بل ملح الأرض وركن من الذاكرة الوطنية، شركاء في التعليم والجيش والثقافة والطب، وكل نبض وطني يثبت أن الأخوّة ممارسة وليست شعارًا، والقيادة الهاشمية تعزز هذا الإدراك، معتبرة المناسبات الدينية محطة للتأكيد على الانتماء والكرامة، لا مجرد احتفال موسمي.

لكن، في ظل هذه الوحدة المتجذرة، يطفو سؤال هش كل عام: "هل نهنئ؟". سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يفتش عن شرعية الفرح المشترك، ويكشف هوة معرفية: أننا نعيش الوحدة لكننا نهمل أسئلتها. الجواب لا يكمن في كتب الفتاوى وحدها، بل في حكاية الكرك: حيث حمل المسلمون حجارة الكنيسة كما لو كانوا يبنون مسجداً لأنفسهم. وفي موائد رمضان، ينتقل الطعام بين البيوت بلا سؤال عن دين صاحبه. وفي صناديق الاقتراع، يترشح مسيحيون على قوائم إسلامية، يصوت الناس لضميرهم لا للطائفة. هذه ليست مشاهد عابرة؛ إنها فصول من ملحمة وُلدت من رحم المعاناة والأمل، تحوّل الأخوّة إلى نسيج يومي والوحدة إلى أنفاس مشتركة.

كل لحظة في هذا الوطن درس في الأخوّة: اللاعب المسيحي يسجد مع زملائه المسلمين في مباراة دولية احتفالًا بهدف، الجار يمد يده للجار، الفرقاء يجتمعون في الحملات الخيرية، والصغار يتعلمون أن الحب والوفاء لا ينتظران مناسبة. 
الوحدة لدينا هنا ممارسة مستمرة، نبض الحياة اليومية، وتجسيد لفلسفة وطنية شاملة حيث الأخوّة خيار مستمر نعيشه في كل فعل، وكل لحظة، وكل نفس.

الأردن لا يعيش وحدته بالخطابات الرسمية، بل بالممارسات اليومية: الهلال والصليب يتجاوران في المسيرات الخيرية، والمساجد والكنائس تتقاسم صلوات الفرح والحزن. وكل هذا في مواجهة عدو واحد: الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يفرق في عدوانه وهمجيته بين مسلم ومسيحي، كنيسة ومسجد. وحدتنا ليست شعارًا، بل درع حضاري يحمي الوطن والإنسانية.

والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ليست مجرد واجب تاريخي، بل مسؤولية أخلاقية وسياسية وثقافية؛  فحماية الأقصى وكنيسة القيامة تعني حماية ذاكرة الأمة، والتأكيد أن الاختلاف ليس تهديدًا بل ثراء، وأن الوحدة ليست شعارات موسمية بل فعل دائم ومستدام.

في الأردن، كل يوم عيد، كل يوم صلاة، كل يوم فرصة لتأكيد الأخوّة والكرامة الإنسانية.
نحن لا ننتظر رأس السنة ولا أغنية موسمية لتذكيرنا بالوحدة؛ نحن نعيشها في كل لحظة، في النظرة المتبادلة، في المساعدة الصامتة، وحياتنا المشتركة أكبر من كل مناسبة وأعمق من أي طقس.

فلنبدأ العام الجديد بالتفاؤل، لأن التفاؤل أحد أعظم محركات النمو الإنساني والاجتماعي، يقوّي روابطنا، يلهب الطاقات، ويغذي الإبداع. لننظر إلى الغد بعين مملوءة بالثقة، لأن الأخوّة ليست حدثًا، بل اختيار يومي، وصلاة ممتدة، وممارسة متجددة على مدار السنة، تؤكد أن الأردن تجربة فلسفية ووجودية، ملحمة أخوّة لا تنتهي، صرح خالد في قلب العالم، حيث الأرض والسماء، القلب والعقل، تتحدان في نسيج واحد من الوفاء والحرية والانسانية.

مواضيع قد تعجبك