ما يثير الدهشة، بل القلق، هو خروج وزير الإدارة المحلية وهو مهندس سابق عمل لسنوات في الوزارة قبل أن يتوَّج مساره وزيرًا ليبرر ما حدث في الكرك من فيضانات وانهيار في الجاهزية بأن “الأمطار كانت غزيرة ونزلت خلال فترة قصيرة”. هذا التبرير، في حد ذاته، لا يرقى حتى إلى مستوى التفسير الفني، فضلاً عن كونه عذرًا اقبح من ذنب!!
الأكثر إرباكًا أن الوزير ذاته تحدث عن ضرورة إجراء دراسة هيدرولوجية عبر شركة متخصصة، مبررًا ذلك بعدم معرفته بهذا المجال، وبنقص مهندسي الهيدرولوجيا في الأردن. وهنا يبرز السؤال الجوهري:
إذا كان الوزير وطاقمه الفني والوزارة والبلديات جميعًا يدركون أهمية هذه الدراسات الآن، فكيف غابت عنهم قبل الكارثة؟
وهل يُعقل أن تُدار البنية التحتية، وتصمم شبكات تصريف المياه، وتُمنح رخص المشاريع، وتُبنى السدود دون دراسات هيدرولوجية مسبقة تُقيّم المخاطر وتضع سيناريوهات الطوارئ، حتى إن لم تكن مصممة لأقصى الحالات المناخية؟
الأمطار الغزيرة ليست ظاهرة خارقة للطبيعة، بل احتمال علمي معروف، وأحد أبجديات التخطيط العمراني هو الاستعداد للأسوأ لا التذرع به بعد وقوعه. فكيف شُيّدت السدود؟ وعلى أي أساس تم تقدير مخاطر فيضانها؟ وكيف جرى تجاهل تأثير ذلك على السكان والمناطق المحيطة؟ أم أن سلامة المواطنين ليست جزءًا من معادلة التخطيط أصلًا؟
ما تكشفه هذه التصريحات ليس مجرد نقص في الكوادر أو الدراسات، بل غياب نهج علمي ممنهج في التخطيط العمراني، وارتباك واضح في فهم دور الوزارة كجهة استباقية لا تبريرية. وزارة لا تخطط على أساس علمي، ولا تمتلك سيناريوهات مخاطر، ولا تُلزم نفسها ولا البلديات بأدوات التخطيط الأساسية، هي وزارة تعمل بردّ الفعل لا بالعقل ونظام الفزعة…
بهذا المنطق، يصبح الوزير مسؤولًا سياسيًا وأخلاقيًا عن الإخفاق، لا متفرجًا يشرح أسبابه بعد فوات الأوان. وما يثير الدهشة أكثر هو صمت البلديات والكادر الهندسي، وانحناؤهم خلف الوزير مطأطين رؤوسهم ترهقهم ذلة! بدل أن يكونوا خط الدفاع الأول عن المهنية وسلامة الناس.
وزير يبرر الكارثة بدل أن يمنعها، ويعترف بغياب الدراسات بدل أن يُسأل لماذا لم تُجرَ، هو وزير يجب أن يُساءل لا أن يُستمع إليه.
..لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ




