*
الجمعة: 02 يناير 2026
  • 29 أكتوبر 2025
  • 13:01
الثقافة البنية التحتية الخفية لتقدّم الأمم
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

خبرني - ليست الثقافة مجرد رفاهية فكرية أو ترف تزين به الأمم صورتها أمام العالم، بل هي القاعدة التي ينبني عليها وعي الإنسان، وتتشكل عبرها ملامح المجتمع، وتُرسم من خلالها ملامح مستقبله. فحين نتساءل عن الكيفية التي تسعى بها الثقافة إلى بناء مجتمعات أكثر تقدماً، فإننا ندرك أن الثقافة لا تتحرك في فراغ، بل تعمل كقوة ناعمة تُعيد تشكيل الأذهان، وتُهذّب السلوك، وتُعمّق القيم، وتُحرّك عجلة التغيير من الداخل قبل الخارج.
إن الثقافة تُكسب الإنسان وعيًا بذاته وبعالمه، فتجعله شريكًا حقيقيًا في نهضة مجتمعه، لا تابعًا لأوامر أو مقلدًا لعادات، بل مشاركًا بفكره وإرادته. وهي التي تُعلّم الأفراد كيف يختلفون دون أن يتنازعوا، وكيف يتحاورون دون أن يتنازلوا عن هويتهم. فبالثقافة تُزرع قيم الحرية والعدالة والاحترام، وتُبنى جسور الثقة بين مكونات المجتمع، ويتحول التنوع من مصدر صراع إلى مصدر ثراء.
ولعل أخطر ما تواجهه المجتمعات التي تسعى إلى التقدم ليس الجهل فقط، بل الجهل المركب؛ حين يظن المرء أنه يعلم، وهو غارق في أوهام موروثة. هنا يأتي دور الثقافة في تفكيك هذه البُنى الذهنية الجامدة، وتحرير العقول من قوالب التكرار والتقليد، لتفتح أمام الإنسان أبواب الإبداع والابتكار.
ولا يقف دور الثقافة عند بناء الوعي الفردي، بل يمتد إلى بناء الاقتصاد والسياسة، من خلال تعزيز الصناعات الثقافية، ودعم الفنون، وتشجيع النقد البنّاء، ورفع سقف الحريات الفكرية. فكلما ازدهرت الثقافة، زاد وعي المواطنين، وكلما ارتفع الوعي، ارتفع مستوى المشاركة، وكلما اتسعت المشاركة، تسارع التقدم.
إن الأمم التي تستثمر في الثقافة، وتمنحها مكانتها المركزية في السياسات العامة، لا تبني فقط مكتبات أو مسارح أو معارض فن، بل تبني الإنسان ذاته: تفكيره، وجدانه، سلوكه، وإرادته. ومتى ما صلح الإنسان، صلح المجتمع، وتحقق التقدّم المنشود.
 

مواضيع قد تعجبك