خبرني - نبحث عن أرواح التاريخ، ولكن لا نجد للحاضر مكان. لماذا تُمحى الأحداث التي عشناها بأعيننا من كتب المناهج، بينما هي التي شكلت وعي شعوبنا وغيّرت مسار المنطقة العربية؟ لماذا لا يُكتب عن الربيع العربي، عن الميادين التي امتلأت بالهتاف للحرية، وعن الشعوب التي دفعت دماءها ثمنًا للكرامة؟ لماذا لا يُدرّس تاريخ غزة، التي تصنع ملحمة كل يوم، أو مأساة سوريا، التي نُهشت بأنياب نظام بشار الأسد القاتل؟
غياب التاريخ الحاضر عن المناهج ليس مجرد سهو تربوي، بل خطأ استراتيجي. حين لا يوثّق الحاضر، يصبح وعي الأجيال مرهونًا بمنصات التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الحقيقة بالدعاية، والذاكرة بالتزييف. التعليم لا يحمي فقط من الجهل، بل يحمي من فقدان الرواية. وإن لم تُكتب روايتنا بأيدينا، سيكتبها الآخرون وفق مصالحهم.
كتابة الحاضر مهمة تربوية، لأنها تعلم الأجيال أن ما عاشوه أجدادهم ليس مجرد خبر عابر، بل تجربة حيّة تزرع القيم وتبني وعيًا نقديًا. كيف يمكن لشاب أن يفهم معنى الحرية إذا لم يعرف ثمنها الذي دفعه من سبقوه؟ كيف يعرف قيمة الكرامة إذا لم يرى صور التضحيات أمام عينيه، مكتوبة وموثقة؟ هذا الحاضر هو مدرسة في الوطنية والمقاومة، لا تقل أهمية عن أي درس في الماضي البعيد.
من تونس إلى مصر، ومن ليبيا إلى اليمن، خرج الناس يهتفون للكرامة. كانت لحظة استثنائية كسرت جدار الصمت، وأعلنت أن الشعوب حيّة، وأن الحلم بالحرية ممكن. تونس سقط فيها نظام بن علي، وميادين مصر امتلأت بالملايين، ليبيا واليمن عانتا ويلات الحروب. ومع ذلك، لم تُدرّس هذه الثورات في المدارس، ولم تُكتب في الكتب لتبقى حيّة في ذاكرة الأجيال. كيف نربي جيلًا جديدًا لا يعرف أن أجداده القريبين حلموا بالحرية وواجهوا الرصاص بصدور عارية؟
سوريا لم تكن مجرد خبر عابر. كانت مأساة ممتدة، جرحًا مفتوحًا على جسد الأمة. واجه الشعب نظامًا حوّل الدولة إلى ساحة قتل، ملايين القتلى والمهجرين، مدن مدمرة، وأطفال بلا مأوى. ومع ذلك ظل السوريون يحاولون الوقوف من جديد، أن يرمموا الركام ويحلموا بالحرية. أليس هذا تاريخًا يجب أن يُدرّس كدرس في الصمود والمعاناة الإنسانية؟ أليس واجبنا أن نوصل للأجيال القادمة كيف تمكن شعب كامل من الصمود رغم وحشية النظام؟
أما غزة، فهي ليست مجرد مدينة محاصرة، بل تاريخ يُكتب بدم الشهداء وصمود البيوت المهدّمة. كل طفل يخرج من تحت الركام مبتسمًا هو دليل أن الكرامة لا تُهزم. غزة مدرسة في الصمود، ودروسها أكبر من أي كتاب، لكننا نتركها بلا توثيق. كيف نريد لجيل أن يتعلم معنى الحرية والكرامة، ونحن لا نضع بين يديه أبهى صورها؟
التاريخ الحاضر ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة لحماية الوعي. إذا لم نوثقه اليوم، فستضيع الحقيقة غدًا. وإذا لم ندرّسه للأجيال، فلن يعرفوا من ضحّى من أجلهم، ولن يميزوا بين من قاوم ومن خان. الأمم التي تترك حاضرها بلا كتابة، تُترك أجيالها بلا بوصلة، لتعيش في روايات الآخرين، ولتصبح ذكرياتهم مشوشة ومشوّهة.
المناهج ليست فقط لتعليم معلومات جافة، بل هي أداة لبناء وعي نقدي. إدخال التاريخ الحاضر فيها يمنح الطلاب قدرة على فهم واقعهم، على ربط الماضي بالحاضر، وعلى إدراك أن الحرية والكرامة ليست مفاهيم نظرية، بل تجارب عاشها أشخاص حقيقيون، صمدوا في وجه القتل والدمار. هذا الربط بين التعلم والواقع يزرع القيم، ويجعل التعليم أكثر صدقًا وحياة.
التاريخ الحاضر هو مرآة الشعوب، وهو الذاكرة الحية التي تحفظ تضحيات أجدادنا. أن نمحوه من المناهج يعني أن نمحو ذاكرتنا بأيدينا. إن الأمم التي تترك حاضرها بلا كتابة، تُترك أجيالها بلا بوصلة، لتعيش في زمن افتراضي بلا حقيقة. إن لم نكتب حاضرنا بأنفسنا، سيكتبه الآخرون وفق مصالحهم. من حقنا ومن حق أبنائنا أن يكون حاضرنا جزءًا من كتب التعليم، لأن فيه دماء من ضحوا، صرخات من عانوا، ودرس في الصمود والكرامة يجب أن يبقى حيًّا.



