خبرني - لم يكن الأمن القومي العربي في يومٍ من الأيام ترفًا سياسيًا تتباهى به الأنظمة، أو شعارًا يُرفع في المحافل الدولية والخطابات الرسمية دون مضمون. بل هو مطلبٌ شعبي عميق الجذور، يعكس تطلعات ملايين العرب في العيش بكرامة وأمان وسيادة. فالشعوب العربية، التي عانت عبر عقود من الاستعمار والتجزئة والحروب والاحتلال والتدخلات الأجنبية، تدرك أن غياب الأمن القومي لا يعني فقط ضعف الدول، بل يعني انكشاف الشعوب، وضياع الحقوق، واستباحة الأوطان.
في السنوات الأخيرة، شهدت الأمة العربية سلسلة متواصلة من الأحداث الخطيرة التي كشفت هشاشة النظام الأمني العربي، وأكدت أن الاستهداف لم يعد موجّهًا لدولة دون أخرى، بل للكيان العربي برمّته. فالاعتداءات المتكررة على فلسطين، وما يجري فيها من قتل وتهجير وتجويع وسط صمت دولي، ليست سوى وجهٍ من وجوه غياب الحماية العربية. وما تتعرض له لبنان من خروقات يومية، وسوريا من تقاسم نفوذ وصراع دولي على أراضيها، واليمن من حرب استنزافية عبثية، هو الدليل الحي على أن الأمن القومي العربي لم يعد يحمي أحدًا، لا دولة ولا شعبًا.
ثم جاءت الضربة الأخيرة، حين قامت إسرائيل في سابقة خطيرة، بشنّ غارة جوية على العاصمة القطرية الدوحة، في التاسع من سبتمبر 2025، مستهدفة قيادات من حركة حماس كانت تشارك في محادثات للتهدئة بوساطة قطرية. قُتل في الهجوم عدد من الأشخاص، بينهم ضابط أمني قطري، وتعرضت سيادة دولة عربية آمنة للاختراق العسكري المباشر، في وقتٍ يفترض فيه أن تُحترم حدود الدول وتُصان الوساطات. هذا الاعتداء الصارخ لم يكن موجّهًا لقطر وحدها، بل كان رسالة إلى كل العواصم العربية: أن أحدًا ليس بمأمن، وأن من يُمارس الوساطة يُعاقب، ومن يُطالب بالتهدئة يُقصف.
إن خطورة هذا المشهد لا تكمن فقط في حجم الاعتداء، بل في غياب الرد العربي الموحد. فقد توالت الإدانات من أطراف دولية وإقليمية، فيما غابت المواقف الحاسمة من المؤسسات العربية، لتتكرر ذات المعادلة القديمة: الإدانة اللفظية في مواجهة الفعل العسكري الوقح. وهنا تتجلى أزمة الأمن القومي العربي بأوضح صورها، حين يصبح العدوان واقعًا، والسيادة مباحة، والعجز الرسمي قاعدة لا استثناء.
إن الشعوب العربية، لا الحكومات وحدها، هي من تدفع ثمن هذا الفراغ الأمني. الشعوب هي التي تحيا تحت الحصار، وتقاسي من ويلات اللجوء، وتُحرم من التنمية والاستقرار بسبب الحروب والتدخلات. الشعوب تدرك أن الأمن القومي ليس مجرد حماية للحدود، بل هو حماية للهوية، وللاقتصاد، وللمستقبل. إنه مشروع وجود، لا رفاهية سياسية. فحين يغيب الأمن، لا يبقى مجال للتعليم أو الصحة أو التنمية. وحين يُستباح القرار السياسي العربي، تُستباح معه الإرادة الشعبية، وتُفرغ الديمقراطية من معناها.
ولذلك، فإن بناء أمن قومي عربي حقيقي ليس ترفًا، بل ضرورة تاريخية واستراتيجية عاجلة. أمن يُبنى على وحدة الموقف، وتكامل القدرات، والاحترام المتبادل، والتضامن الفعلي لا اللفظي. أمن لا يستثني أحدًا، ولا يُصنف الدول حسب المواقف، بل يشمل الجميع في مظلة واحدة تحميهم من العدوان والتفكك. المطلوب اليوم ليس استعراضًا عسكريًا، بل إرادة سياسية واعية تضع الشعوب أولًا، وتعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية، وتضع حدًا للتدخلات الخارجية، وتفتح باب الحوار العربي-العربي قبل فوات الأوان.
إن الرهان على الخارج لحماية الداخل رهان خاسر، والتاريخ شاهد على ذلك. وحدها المنظومة العربية المتماسكة، المستندة إلى شعوبها، تستطيع أن تفرض احترامها، وأن تكتب مستقبلًا مختلفًا. أما الاستمرار في التشرذم، وفي التعامل مع الأمن القومي كمجرد ترف سياسي أو هامش من هوامش السياسة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الهزائم والانهيارات.
إننا اليوم أمام لحظة فاصلة: إما أن نعيد بناء أمننا القومي على أسس جديدة، تستجيب لنبض الشعوب، وتحترم السيادة، وتحمي المستقبل، أو نترك التاريخ يكرر نفسه، ولكن بثمنٍ أغلى ومصيرٍ أضيق وصدق مثلنا العربي حين قال ما حك جلدك مثل ظفرك واني اكلت يوم اكل الثور الأبيض – فهل نتعظ من دروس واقعنا المأساوي المخزي ونفتح الباب بمصداقية وإرادة سياسية صادقة للعمل الوحدوي الجاد – نأمل ذلك



