*
الخميس: 22 يناير 2026
  • 22 أغسطس 2025
  • 18:59
الطنطاتظاهرة مُجتمعية وحالة تنمر فمن المُذنب
الكاتب: بلال الذنيبات

خبرني -  مثلَّ الإعلان عن برنامج خدمة العلم، مُناسبة اجتماعية لتكشير البعض، عن ناب "التنمر"، على الآخر، عبر بثِ خطابٍ مُسيء، يستهدف أولئك الشُبان، والذين يسموّن في المُجتمع، الطنطات، والذين باتوا واقعًا يعيش بيننا مُنذ سنوات.
مثل أولئك الشُبان حالةً "مُنحرفة" عن المُعتاد الاجتماعي، وهذا ما يُفسر السلوك التنمري من قبل المُجتمع، والذي صاحب الحديث الرسمي عن برنامج "خدمة العلم"، بذريعة إمكانية "تزليم" تلك الفئة من الشُبان، والذين ينشغلون ببث ميوعتهم وأنوثتهم عبر تطبيقات الميديا سيما "تيك توك" المحظور أردُنيًا.

وكلمة "الطنطات" في الأردن، توصيف شعبي شائع، يصفُ أولئك الشُبان الذين يتصرفون تصرفات ذات مسحة أنثوية، ممزوجة بالميوعة والتشبه بالغلمان، وهذه الحالة مع قُدمها تاريخيا، إذ تحدث عنها العلامة المغاربي، عبدالرحمن بن خلدون، وربطها بالتطور الحضري، وشيوع العمران الحضري، ووصول الحضارة إلى درجة من "الترف" و"الليونة".
خلال السنوات الأخيرة، مُنعت في المدارس "الضرب"، والذي كان مُناسبًا لطبيعة الجنس الذكوري الصعب المراس، إلى جانب ذيوع نمط الدلال المفرط، والذي صاحب التحولات الاجتماعية من طور البداوة إلى الحضارة، سيما منذ سبعينات القرن الفائت، وقد كان الأردنيين حتى ذاك الحين "أنصاف بدو أنصاف فلاحين أنصاف حضر" حسب المفكر الراحل ناهض حتر.
وقد خلقت وسائل التواصل الاجتماعية، عملية تثاقف سريعة، وساهمت في ذيوع ثقافة الميوعة بيّن الشباب، والتحول في أنماط اللباس، من اللباس "أنصاف الحضر"، القائم على البنطال المصنوع من القماش إلى "الخصر الساحل" وهو الذي يعبر عن التشبه بالإناث، والذي يعكس صورة مُنحدرة من الشّباب اليوم، والتحول من الالتزام المدرسي، إلى إدخال ملابس جريئة لبعض المدارس، إلى جانب استخدام الهاتف داخل الحرم المدرسي، وبما يخالف المُعتاد الاجتماعي، حتى قبل سنوات قليلة.
نجحت بعض الأسر في حماية أبنائها من الانزلاق في هذا المُنزلق، ولكن ذالك في البيئات التي لم تنتقل من مرحلة "أنصاف البدو أو أنصاف الفلاحين"، بينما في المناطق العمانية، سيما تلك المناطق المُرفهة، وفي أحزمة الحضر في المحافظات ذات التعداد السكاني الكبير وسط وشمال المملكة، وجراء التنوع الحضري، برزت تلك الشريحة من الشّبان.
من حق أيَّ مُجتمع مواجهة الانحرافات التي تُخلق كثمنًا لتطوره، وهذا ما جرى ويجري في التاريخ الاجتماعي، ولكن ليس إلا بعيدًا عن التنمر الذي يزيد المشكلة، ولا تصدر عن حُسن نوايا في طبيعة الحال، بل لتبرير الضعف الوظيفي الذي أصاب المجتمع أفرادًا ومؤسسات بنيوية، حيث أن الأسر باتت تُمعن في تدليل أبنائها، وتدافع عنهم في مواجهة المدرسة والجامعة وربما بقية المؤسسات، ما جعلهم لا يشعرون بالمسؤولية.
صحيح أن برنامج خدمة العلم، يصقل الشخصية، ويعمل على "تزليم" الشُّبان، ولكن الأمر لا يتطلب كل هذا التنمر الذي طفح عبر الميديا الأردنية، ولا اعتقد نتيجة صغر المساحة الزمنية للتجربة، والتي تقتصر على نحو 3 أشهر، من أن تُحدث فرقًا جوهريًا، على المدى المتوسط والصغير على الأقل، الأمر الذي قد يتغير على المدى الطويل، حسبما تأتي به رياح التطبيق لفكرة البرنامج.
لقد أولت القيادة الهاشمية، عبر سنيّ الدولة المُمتدة عبر أكثر من مئة عام، رعايتها في تطوير المنطقة، الأمر الذي نجحت فيه من خلال تطوير المنطقة، وتحويلها من منطقة هامشية إلى أخرى ذات أهمية، ومعمل لإنتاج الخبرات والمتفوقين في مجالات شتى، وإن كان هنالك مرض اجتماعي هو "الطنطات"، فمن الضروري مواجهة الأسباب بالتعليم وكذالك برنامج خدمة علم، وتعزيز أساليب تربية متوازنة.
بناءًا على ملاحظاتي للفروقات البيئية والشخصية، فإن الإنسان الذي يعيش في بيئة وخلفية صعبة وشاقة، أو ذا تحديات معينة، قد يكون أكثر شعورًا بالمسؤولية من نظرائه ممن لا يعيشون في ظروف صعبة وذا تحدٍ من أي نوع، فمثلاً فإن أبناء القُرى و ذوي الإعاقة أكثر جدية وشعورًا بالمسؤولية من أبناء الأسر التي تنتهج اسلوب الدلال الزائد في التربية.
فالتحديات والصعاب تُنضج المرء بصورةٍ أبكر، وهذا ما يفسر سلوك الغوارنة-أبناء الأغوار مثلاً، والذين يعيشون في ظروف شاقة، مقارنة بالأحياء المترفة- بأي صورة كانت، في العاصمة عمّان، وهذا ما يتحدث بالضبط عنه بن خلدون، عندما تحدث عن طبائع أهليِّ الحضر والبوادي.
إن مرض "الطنطات" الاجتماعي، نتيجة طبيعية للتطور الحضري الذي تشهده الحضارة الإنسانية، من إمعان في الترف والملذات ومباهج الحضارة الأكثر رُقيًا في الاعتماد على التقنية، بديلاً عن مشقة الإنسان في بعض الحضارات والثقافات.
أخيرًا إن الضرب في المدرسة والأسر، وحتى مرحلة عمرية معينة، بحاجة لدراسة مقارنة حقيقية تُقارن بيّن تلك الفترة الزمنية التي شاع العقاب في الضرب، والفترة الزمنية التي تبعت منع هذا النوع من العقاب، والمقارنة بين مخرجاتهما للتوصل إلى حقائق ومعطيات علمية تربوية صحيحه، مع الأخذ بعين الاعتبار الفروق بين الثقافة المشرقية والغربية، وعدم اقتباس التجربة الغربية كمقدس يناسب الجميع.

مواضيع قد تعجبك