كانت الوقفة صامتة ومدوية في آنٍ واحد. لم تكن في البروتوكول الرسمي، بل في وجدان الأمة جمعاء! حين توقّف الملك ليحيي رفاق السلاح والوطن، لم يكن يحيي ذكريات فحسب، بل كان يجسّد مبدأً : الأوطان التي توقر شموخ ماضيها هي الأقدر على تشكيل قدَر مستقبلها. التحية لم تكن مجرد إيماءة احترام، بل تجديد للعهد، تأكيد أن شرعية الحكم تُستمد من اتصال حي بجذور الأمة ودماء بنائها.
من هذه البذرة الأخلاقية انطلقت رحلة لا تنتهي، حيث يتحوّل الولاء من كلمة إلى ممارسة يومية. لم يكن الهدف زيارة تقليدية، بل تشخيص مباشر لصحة الوطن من قلبه النابض – الميدان. حيث تُقاس الحرارة من الجبين، وتُستقى الأولويات من العيون قبل التقارير.!
كانت العبارة الجامعة التي هزت كل بيروقراطية راكدة: "التنمية لازم تكون دايمًا، مش وقت الزيارات". إعلان وفاة الدولة الموسمية، وتأسيس دولة الوجود الدائم. الشعوب لا تُبنى بمشاريع تُفتتح وتُنسى، بل بخلق مؤسسي يجعل الجودة اليومية عادة، والمساءلة المستمرة نظامًا، والمواطن شريكًا في عقد دائم لا يُنقض.
كانت أرض الخير – إربد – المنصة التي اختُبر عليها صدق هذا الميثاق؛ تحول المكان من مدينة إلى نموذج حي.
افتتاح مستشفى الأميرة بسمة الجامعي، مع مركزه المتقدم لمكافحة السرطان، لم يكن إضافة إلى الخريطة الطبية، بل نقلة في مفهوم الكرامة الإنسانية: صحة المواطن حق دائم لا يسقط بالتقادم.
وتحويل المعرض الزراعي إلى منصة دائمة لم يكن حدثًا اقتصادياً، بل إعادة تأسيس للعلاقة بين الإنسان وأرضه، بين الجهد اليومي والأمن المعيشي.
كل مشروع، من أصغر طريق إلى أكبر منشأة، رسالة صامتة: الدولة الحقيقية لا تزور، بل تُقيم.
سر الاستمرارية -برأيي- يكمن في تحويل الفلسفة إلى خطة، والخطة إلى نبض يومي.
حضور رئيس الوزراء جعفر حسان، خريج مدرسة الميدان وحامل منهجيتها في أدق التفاصيل، ليس مصادفة، بل ترجمة للرؤية التي ترفض الفصل بين القرار والتطبيق. والمشاريع التي أقرتها الحكومة في خطتها الثلاثية الطموحة، من علاج متقدم للسرطان إلى بناء المدارس وتطوير البنى التحتية، ليست أرقاماً، بل فصول مكتوبة في سيرة المواطن اليومية، هي تحويل الديمومة من شعار إلى طرق تسلكها السيارات، ومياه تصل البيوت، وعقول تُفتح في مدارس، وأمل يُزرع في مراكز علاج.
زيارة إربد لم تكن حدثًا إعلاميًا، بل محاضرة في هندسة الدولة المستديمة؛ دولة ترفض الارتجال، تتمسك بالتخطيط، لا تسعى للإبهار، بل لإسعاد مواطنيها.
عظمة الأمم لا تُقاس بعلو أبراجها، بل بعمق اتصال حكامها بشعوبهم، وبقدرتهم على تحويل الوفاء للماضي إلى استثمار للمستقبل.
الدولة تُبنى بالثقة، بالأفعال، بالخلق المستمر، لا بلحظة زيارة، بل بإرث يستمر، ويجعل الوطن حاضرًا في كل يوم، في كل شارع، في كل مدرسة، في كل طريق، في كل قلب!



