*
الجمعة: 30 يناير 2026
  • 21 فبراير 2025
  • 23:02
المأساة تتكرر  تهجير الفلسطينيين في الضفة
الكاتب: المحامي الدكتور ربيع العمور

تشهد الضفة الغربية أكبر عملية نزوح للمدنيين منذ نكسة 1967، حيث أجبرت العمليات العسكرية الإسرائيلية آلاف الفلسطينيين على ترك منازلهم واللجوء إلى الأصدقاء والأقارب، أو التخييم في قاعات الأفراح والمدارس والمساجد والمباني البلدية وحتى المزارع. هذا النزوح الجماعي يأتي نتيجة الممارسات القمعية للاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك هدم المنازل وإحراقها، ما تسبب في تهجير أكثر من 40 ألف فلسطيني من مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم وطوباس والمناطق المحيطة بها، وفقًا لإحصائيات وكالة "أونروا" حتى 10 فبراير/شباط الجاري.

المأساة تتكرر، إذ أن العديد من النازحين اليوم هم من نسل اللاجئين الذين طُردوا من ديارهم خلال نكبة 1948. هذا التهجير القسري يشكل استكمالًا لمخطط الاحتلال الرامي إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، تمهيدًا لتنفيذ مشروعه الاستيطاني التوسعي. وبالرغم من أن الكارثة في الضفة الغربية قد تبدو أقل حجمًا رقميًا مما يحدث في غزة، إلا أن بشاعتها لا تقل عن المجازر التي تُرتكب هناك.

العدو الإسرائيلي يسعى إلى نقل المعركة إلى الضفة الغربية للاستفراد بها، مستغلًا الانشغال العالمي والإقليمي بما يجري في غزة، في ظل تواطؤ دولي وصمت عربي مشين. في هذا السياق، تحاول إسرائيل فرض قيادات فلسطينية جديدة أكثر تعاونًا مع مشاريعها، مستبدلةً السلطة الحالية التي أظهرت عجزًا واضحًا عن حماية شعبها، بل باتت تتماهى مع بعض السياسات الاحتلالية، مما أفقدها دورها المفترض.

الرهان الحقيقي لا يمكن أن يكون على سلطة تخضع لإملاءات الاحتلال، بل على صمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة، التي تقف في وجه المخططات الصهيونية رغم قلة الإمكانيات وكثرة التحديات. المشروع الصهيوني لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لخطط وضعت منذ عقود، كما يكشف كتاب "مكان تحت الشمس" لبنيامين نتنياهو، الذي نُشر عام 1993، حيث يوضح رؤيته لمستقبل إسرائيل وخططها لإفراغ الأرض الفلسطينية من سكانها. في هذا الكتاب، يعبر نتنياهو صراحة عن رؤيته بأن الأردن هو "الوطن البديل" للفلسطينيين، وأن الضفة الغربية ليست جزءًا من أي كيان فلسطيني، بل يجب تهجير سكانها إلى الأردن في إطار حل نهائي للقضية الفلسطينية. هذا الطرح يكشف بوضوح نوايا الاحتلال لفرض تهجير قسري جديد يهدف إلى تصفية الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية.

بعد انتهاء الحرب في غزة مؤخرًا، أصبح ملف إعادة الإعمار ووقف مخطط تهجير أهلها أولوية قصوى. المجتمع الدولي مطالب اليوم باتخاذ خطوات ملموسة لإعادة إعمار القطاع، وإجبار الاحتلال على وقف ممارساته التهجيرية بحق سكان غزة، الذين عانوا من دمار غير مسبوق. يجب أن تكون هناك ضمانات حقيقية تحول دون تكرار العدوان، وتؤمن حياة كريمة لسكان غزة، بعيدًا عن مشاريع الاحتلال التي تهدف إلى تحويل القطاع إلى منطقة غير صالحة للحياة.

إذا نجح الاحتلال في القضاء على المقاومة في غزة وتهجير أهلها إلى سيناء، فإن المرحلة القادمة ستكون تهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن، وهو ما سيفتح الباب أمام تصفية القضية الفلسطينية نهائيًا. لذلك، فإن المواجهة يجب أن تكون شاملة، وعلى الفلسطينيين في الضفة الغربية أن ينخرطوا بقوة في مواجهة المخطط الاستيطاني والتهجيري، لأن ما يجري اليوم في غزة سيتكرر غدًا في الضفة.

مع انتهاء الحرب في غزة، تدخل القضية الفلسطينية مرحلة جديدة من التحديات والمواجهات. ستسعى إسرائيل إلى فرض واقع جديد في الضفة الغربية، سواء عبر تكثيف الاستيطان، أو استبدال السلطة الفلسطينية بقيادة أكثر تعاونًا مع أجندتها. في المقابل، ستزداد الضغوط على المقاومة الفلسطينية لإعادة ترتيب صفوفها والاستعداد لجولات جديدة من المواجهة.

إسرائيل تعيش في ظل قلق متزايد مما يعرف بـ"لعنة العقد الثامن"، إذ أن العديد من الكيانات الاستعمارية لم تصمد بعد تجاوزها هذه الفترة الزمنية، ما يدفعها إلى تسريع خططها التوسعية والتهويدية للحفاظ على وجودها. من بين هذه الخطط الخطيرة، تسعى الجماعات الصهيونية المتطرفة إلى تنفيذ طقوس ذبح القربان داخل المسجد الأقصى، وهو ما يحمل دلالات خطيرة تهدد بإشعال انتفاضة واسعة. كما أن المخططات المستمرة لهدم المسجد الأقصى وبناء "الهيكل" المزعوم على أنقاضه، تمثل خطرًا كبيرًا قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع في المنطقة برمتها.

المستقبل يحمل سيناريوهات متعددة، حيث قد نشهد تصعيدًا واسعًا في الضفة الغربية مع استمرار محاولات الاحتلال فرض واقع جديد بالقوة. في الوقت نفسه، قد تلجأ المقاومة الفلسطينية إلى استراتيجيات جديدة تفرض معادلات مختلفة على الأرض، بما يعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي.

في النهاية، يبقى الصمود الفلسطيني، على الرغم من قسوة الظروف، هو السلاح الأهم في معركة البقاء. ورغم كل المحاولات الإسرائيلية لطمس الهوية الفلسطينية، فإن الإرادة الشعبية تبقى الأقوى، وستظل فلسطين قضية مركزية لا يمكن تصفيتها بقرارات أحادية أو مخططات استيطانية. الأيام القادمة ستكون حاسمة، لكن التاريخ أثبت أن الشعب الفلسطيني قادر على قلب المعادلات، والاستمرار في نضاله حتى تحقيق حقوقه المشروعة..

مواضيع قد تعجبك