*
الخميس: 08 يناير 2026
  • 03 يناير 2013
  • 00:56
دكاكين قريتنا والمؤسسة العسكرية
الكاتب: د. مهند مبيضين
دكاكين قريتنا والمؤسسة العسكرية
في القرية وجدت العديد من الدكاكين، وغالبا الدكان تمثل الرأسمالية القروية، وهي مكان للالتقاء والتشاوف بخاصة إذا ما كانت قريبة من مسجد، والدكان في القرية كانت متعددة السلع، تشتري منها «الصباط» و»نكاشة الوابور» والصابون النابلسي والحلقوم، وهو ما يروج بيعه في الشتاء، بخاصة إذا تمّ حشوه بين لوحين من بسكوت الجيش، وقرانا غالبا ما تتشابه في الذاكرة. في قريتنا «الثنية» كان ثمة تنوع محدود في مصادر الشراء. الدكاكين الأولى كانت لأشخاص من خارجها، وهي لسلامة الجراجرة والحج الجرجوري وهما من الكرك أصلا، أما دكاكين محمد فقوسة وعامر يعقوب وعبد الرحمن البستنجي «أبو سميح» فهي نتيجة لما سمي بالنكبة، إذ جاء للكرك عدد كبير من أهلنا من الخليل، وأذكر أنا وجيلي دكان أبو عدنان الصعوب في حارة الصعوب، وقد زالت، ودكان حمدان الصعوب في ذات الحارة، وهي باقية حتى اليوم وقد ورثها ابنه محمد. تلك الدكاكين كانت عالم القرية المالي وسوقها الكبير. وفي أوائل الثمانينيات، قرر رئيس المجلس القروي عربي العضايلة أبو صالح وصهره أبو خالد جميل العضايلة فتح دكان جديد، وفي تلك السنوات بدأت تجارة أبو سميح البستنجي تتضاءل بعد انتقاله لقريته المنشية، وبعد أن ارهقته الديون. مثل دكان جميل، أو دكان أبو خالد، تحولت جديدا في التجارة، فقد تعددت سلعها بشكل أكبر، وكان له قدرة على نسج العلاقة مع الزبائن بخاصة طلبة جامعة مؤتة من الجناح المدني، فحقق معرفة بهم وطيدة لأنه يبيع بالدين «على الدفتر»، وقد أحبه الطلبة و ما زالوا يذكرونه، وبعد مدة لا استطيع تحديدها غادر دكانه، وانتهت الدكان إلى تاجر آخر لم يصمد بالسوق وهو عدنان المبيضين، الذي حاز على ثقة طيبة من الناس ومحبة كبيرة، لكن الطيبة والمودة لا تحقق الربح والديمومة للتجارة، فالديون كانت سببا لتعاظم الخسارة والإغلاق، وكان عدنان فيه من الخلق والنبل الكثير ما يجعله يرى الاستمرار محالاً، فحل محله تاجر جديد من غير أهل القرية وهو رجل محترم متقاعد من الجيش من الشوبك اسمه أبو رأفت الطورة. عاد جميل « أبو خالد» مرة أخرى بعدما شارك ابن اخته الصديق فادي المبيضين سنوات قصارا، لكن فادي بعد أن درس وهو يبيع بالدكان وبشكل عصامي، إذ حصل على البكالوريوس ثم الماجستير، ترك التجارة وغادر للتدريس في الإمارات، فعادت السيادة التجارية في القرية لأبي خالد، وما زال لغاية الآن، وهو الأكثر قدرة على تحمل التجارة ومتاعبها بخاصة في الدين ومطالب القرويين من السلع ومزاجهم المتقلب، علما بأنه توجد اليوم دكاكين أخرى مثل دكان فارس وغيرها. كانت المؤسسة العسكرية المنافس الوحيد لدكاكين القرى، وصباح الجمعة وهو موعد التسوق الأفضل، يتسابق الأطفال لمرافقة آبائهم للمؤسسة، فهي محل ثقة الناس، و ما زلت أذكر أكياس السكر المحددة سلفا بوزنها، وكذلك الأدوات المنزلية وبعض السلع التي اسهم «السوق العسكري» -كما يسميه الناس- بإدخالها للبيوت والتي لم تكن ممكنة الوصول للقرى لولا المؤسسة العسكرية وعلى رأسها الصابون المعطر، بخاصة ماركة اللوكس، ومرطب اليدين الشهير» كلب» والكاستر والجلي وغيرها وكذلك علب جبنة الكرفت الحديدية وبسكوت الجيش ج ع. ادخلت المؤسسة سلعا لم تكن من أولويات الإنفاق اليومي، واسهمت بتغيير قوائم الشراء لدى أهل القرى، وما زالت تمثل أفضل وأضمن مراكز التسوق لكثير من الناس، وهي «المول» الأول بالنسبة لهم؛ لأنها بالنسبة إليهم تعكس حضور الدولة في نهارهم، بخاصة إذا ما تذكرنا أنه كان للمؤسسة العسسكرية بطاقة تشبه دفتر العائلة ولونها أخضر أو أزرق.     الدستور

مواضيع قد تعجبك