لا يمكن إبعاد الدين عن
الحياة في كل المجتمعات البشرية، وفي المجتمعات العربية والإسلامية على وجه الخصوص،
فكل المجتمعات الإنسانية استطاعت أن تبني منظومتها القيميّة من خلال تعاليم الدين الذي
يؤمن به أفرادها أو أغلبيتهم، ومن خلال السجل القيمي المحفوظ بذاكرة الأجيال المتتابعة
عبر مراحل الزمن، ومن خلال علاقتهم بالمكان.
أسهم الدين إسهاماً كبيراً
ومؤثراً في إرساء معايير السلوك الجمعي، وتشكيل المرجعية العليا الضرورية لحل ما ينشأ
بينهم من اشكالات واختلافات نتيجة ما يحدث بينهم من تعارض أو تناقض في المصالح والرغبات،
بالإضافة إلى دور الحكماء والفلاسفة والعلماء في إعادة بناء المنظومة القيمية وترميمها
بما يحقق مصلحتهم المشتركة. الدين عبارة عن مبادىء وقواعد عامة، وقيم ثابتة تهدف إلى
تحقيق سعادة الفرد والمجتمع، من خلال تحسين البناء الإنساني، واحسان بناء الفرد عقلاً
وروحاً ونفساً وجسداً، ليكون قادراً على التعامل مع ذاته بطريقة سليمة، وقادراً على
التعامل مع الآخر، ومع جميع موجودات الكون وفقاً لمقتضيات العلم والمعرفة، ووفقاً لمقتضيات المنهج الصحيح القائم على حسن الفهم والإدراك
للمعادلات القائمة على التوازن وحسن التقدير.
الإنسان الجيد في بنائه
العقلي والنفسي هو الذي يستطيع إدارة شؤون حياته على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي،
ولكل مجال من هذه المجالات قواعدها وقيمها وعلومها وفنونها، وفرعياتها وجزئياتها، التي
تحتاج إلى حسن التدبير من خلال الخبرة المتراكمة لدى التجمعات البشرية ولدى الأفراد
والمؤسسات.
إن الذين يسعون إلى فصل
الدين عن الحياة، إنما يعمدون إلى انتهاج منهج متعسف، يجعل من الدين حالة وثنية مجردة،
لا علاقة له ولا أثر في حياة الفرد والمجتمع، فهذا ليس مقبولاً ولا معقولاً، أما بالنسبة
لعلاقة الدين بالسياسة، فهذا يحتاج إلى بعض التفصيل من أجل تحرير محل الخلاف للوصول
إلى بعض نقاط الاتفاق والاجماع في هذا الشأن، حيث أن المجال السياسي هو أحد مجالات
الحياة التي لا تخلو من ضرورة وجود قواعد منظمة وقيم ثابتة، ولا بد للسياسي أن يكون
منضبطاً بهذه القواعد وهذه القيم، وإلّا كان مخرباً ومفسداً.
الأمر الذي يحتاج إلى توضيح
وبيان، أن الدين لا يمنح السلطة لأحد ولا لفئة ولا لحزب أو جماعة بممارسة القوة في
فرض رأي أو قانون أو حكم، وإنما السلطة للمجتمع يمنحها لمن يشاء، فكل من يمارس السلطة
يجب أن يمارسها بتفويض من المجتمع الذي يطلق عليه الشعب، لأنه هو من يمنح الشرعية ومن
يسلبها.
وتأثير الدين في هذا السياق
يكون مقتصراً على ما يحدثه من أثر في بناء قيم المجتمع، فيفرض المجتمع قيمه ويحرس قواعده،
ويختار من بين أفراده من يملك حراسة المصلحة العامة بقوة المجتمع، وبشرعية ممنوحة من
أفراد المجتمع بشكل جمعي.
ومن هنا يكون أثر الدين
واضحاً في المرجعية القيمية للمجتمع، ويكون واضحاً في التشريع والتنظيم والتوجيه، بلا
سلطة خاصة لرجال الدين أو الفقهاء أو سلطة المسجد، فهذا ما لا يعرفه الإسلام، ولم تعرفه
المجتمعات الإسلامية في كل تجاربها عبر التاريخ منذ العصر الراشدي.
عندما يسيء أحد استعمال
السلطة باسم الدين، أو من يحمل فهماً خاطئاً للدين يجب أن لا يصل إلى القول بإبعاد
الدين، وإنما يجب أن نصحح المفهوم ونصحح طريقة التعامل بالدين، وليس بنفيه من الوجود.
ويمكن القول باختصار لا
سلطة دينية في الإسلام، وليس هناك دولة دينية، ولا حزباً دينياً، وإنما هناك مجموعات
تقدم اجتهادها وفهمها المستمد من الدين للمجتمع، وقد يكون هذا الاجتهاد وهذا الفهم
يحمل قدراً من الخطأ والفشل لأنه جهد بشري يعتوره النقص بكل تأكيد.
الدستور




