*
الخميس: 05 نوفمبر 2026
  • 05 نوفمبر 2026
  • 18:08
شهيد الواجب ضحيّة الفكر المتطرف والأردن لن يكون ساحة للغدر
الكاتب: ولاء فخري العطابي

ليس كل من يغادر بيته في الصباح الباكر ذاهبًا إلى عمله بالمعنى المعتاد؛ فهناك رجال يغادرون بيوتهم وهم يحملون على عاتقهم مسؤولية أكبر من ساعات الدوام، مسؤولية أن يبقى الوطن آمنًا، وأن تنام العائلات مُطمئنة، وأن تسير الحياة في شوارعنا دون خوف، هؤلاء هم رجال الأمن العام، الذين يقفون في الصفوف الأولى، ويسهرون حين ينام الآخرون، ويضعون سلامة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.

اليوم، ونحن نتلقى نبأ استشهاد أحد نشامى الأمن العام أثناء تأدية واجبه في العاصمة عمّان، لا نقف أمام خبر عابر، بل أمام وجع وطني يلامس قلب كل أردني، نعم وجع وطني لرجل خرج من بيته لأداء واجبه، وترك خلفه عائلة تنتظر عودته، وأمًا وأبًا وأحبة، لكنه لم يعد؛ رحل وهو يؤدي رسالة آمن بها، رسالة حماية الناس وصون أمن الوطن، وأمام هذا المشهد، لا يسعنا إلا أن نستحضر حجم التضحية التي يقدمها رجال الأمن، وأن ندرك أن الأمن الذي نعيشه ليس أمرًا عابرًا أو حقًا يتحقق من تلقاء نفسه، بل تقف خلفه أرواح تسهر، وقلوب تخاف على الوطن، ورجال اختاروا أن يكونوا في الميدان حين يحتاجهم الوطن.

ما حدث يضعنا جميعًا أمام صرخة وطنية واحدة: نرفض العنف، ونرفض التطرف، ونرفض كل يد تمتد للاعتداء على إنسان يؤدي واجبه ويحمي حياة الآخرين، ولا يمكن أن يكون الاختلاف مبررًا للاعتداء، ولا أن يكون الفكر المتطرف بديلاً عن الحوار، ولا أن تتحول الكراهية إلى سلوك يهدد أمن المجتمع وسلامته؛ فاليد التي تمتد بالغدر لا تمثل قيم الأردنيين، ولا تشبه هذا الوطن الذي نشأ أبناؤه على النخوة والتسامح والتكافل واحترام الإنسان.

وفي المملكة الأردنية الهاشمية، لا يمكن فصل موقفنا من العنف والاعتداء على الإنسان عن النهج الذي قامت عليه الدولة الأردنية، في ظل قيادة هاشمية جعلت الإنسان وكرامته وأمنه محورًا لكل رسالة وطنية، فمنذ عهد المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الذي أرسى شعار (الإنسان أغلى ما نملك) وصولاً إلى جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، الذي يواصل حمل هذه الرسالة ويجعلها أولوية في نهج القيادة ورؤيتها، ظل الإنسان الأردني قيمة لا تختصرها الأرقام ولا تقاس بالمناصب، بل بكرامته وحقوقه وأمنه وفرصه في الحياة الكريمة، فهي فلسفة حكم تؤمن بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن قوة الدولة الحقيقية تكمن في أمن أبنائها وتماسك مجتمعها واحترام كرامة كل فرد فيه.

ويمتد هذا النهج الإنساني إلى حضور الأردن ورسالته في العالم، بقيادة جلالة الملك، وبمساندة ومشاركة جلالة الملكة رانيا العبد الله، التي حملت صوت الإنسانية إلى المنابر والمحافل الدولية، ودافعت عن قيم التعاطف والتسامح وقبول الآخر، ودعت إلى بناء الجسور بين الثقافات والأديان، فيما يواصل سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، ترسيخ قيم المسؤولية والعطاء والانتماء في نفوس الشباب، إنها أسرة هاشمية تؤمن بأن الإنسان ليس جسر لبناء الوطن فحسب، بل هو غايته وأساس نهضته؛ وعليه ومن هنا، فإن الاعتداء على إنسان، أو ترويع مجتمع، أو استهداف رجل يؤدي واجبه في حماية الناس، يتناقض مع كل هذه القيم والمبادئ التي نؤمن بها ونعتز بها.

أنا وعائلتي لسنا ممن يرتدون الزي العسكري، ولسنا جميعًا نقف على الحواجز وفي مواقع الحراسة، لكن لكل واحد منّا موقعه في حماية هذا الوطن، فالمعلم يحمي الوعي، والطبيب يحمي الحياة، والعامل يبني، والصحفي ينقل الحقيقة، ورجل الأمن يحمي الجميع، جميعُنا يخرج من بيته ليعمل ويكسب الرزق، ولكن الأجمل أن نعمل بإيمان بأن ما نقدمه يتجاوز حدود الوظيفة؛ نحن نعمل لأن هذا البلد يستحق، ونعطي لأننا نريد له أن يكبر وينهض، ونبني تميزه وازدهاره لأن الأردن أمانة في أعناقنا جميعًا.

وديننا الحنيف لم يجعل من العنف طريقًا أبدًا بل دعا إلى الرحمة والتراحم وصون النفس الإنسانية، وجعل التقوى ميزان التفاضل بين الناس، لا الكراهية ولا التعصب ولا الاعتداء، قال تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، فهذه قيم هذا الدين أن نكون عونًا لبعضنا، وأن نصون حق الإنسان في الحياة والأمان، وأن نحفظ للمجتمع وحدته وتماسكه.

تبت يد الغدر التي امتدت إلى رجل خرج ليؤدي واجبه، والرحمة لشهيد الوطن الذي دفع حياته ثمنًا لأمن الآخرين، إن دماءه تذكّرنا بأن حماية الأردن مسؤولية مشتركة، وأن الوقوف إلى جانب أجهزتنا الأمنية ليس مجرد كلمات تقال في لحظات الحزن، بل موقف وطني يتجسد في احترام القانون، ورفض خطاب الكراهية، وتعزيز الوعي، والتمسك بوحدة المجتمع.

رحم الله شهيد الواجب، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه وزملاءه الصبر والسلوان، وسيبقى الأردن أكبر من محاولات العبث بأمنه، وسيبقى أبناؤه صفًا واحدًا في وجه كل ما يهدد سلامته واستقراره؛ فالأوطان لا يحميها من يرتدون الزي العسكري وحدهم، بل يحميها أيضًا شعب يعرف قيمة وطنه، ويؤمن أن أمنه وكرامته ووحدته مسؤولية الجميع.

مواضيع قد تعجبك