ثمة سؤال نخشى الاقتراب منه كلما اهتز مجتمعنا على وقع جريمة إرهابية: لماذا نُفاجأ الجريمة في كل مرة، مع أن المقدمات شكلتها بصمت قبل ذلك بسنوات؟ نستنكر الجريمة، ونؤكد الوحدة الوطنية، ونستحضر قيم التسامح والاعتدال، ثم نعود إلى حياتنا مطمئنين إلى أننا تجاوزنا المحنة. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً ليس عما فعلته يد الإرهاب، بل عما استقر في عقل صاحبه حتى أصبح قتل الإنسان، في تصوره الدموي، واجباً يتقرب به إلى الله. فقد تبدأ قابلية الإرهاب قبل حمل السلاح، حين يُجرَّد الآخر من إنسانيته في الوعي، ويفقد حقه الكامل بإنسانيته.
لعل أخطر ما يحمي الفكر الإقصائي ليس قدرته على الاختباء، بل ما يمكن تسميته بالبراءة الاجتماعية للفكرة؛ حين تُستنكر الجريمة بوصفها انحرافاً فردياً، بينما تبقى بعض المقدمات التي استند إليها مرتكبها محاطة بالصمت أو التبرير أو الحصانة من النقد. وهكذا قد يُدان العنف دون مراجعة جذر المشكلة. فالفكرة لا تحتاج إلى أن يحملها الجميع كي تصبح خطرة؛ يكفي أن يعتاد المجتمع سماعها دون مساءلة، حتى يجد من يحوّلها إلى ترخيص أخلاقي للعنف.
وإذا كانت التنظيمات المتطرفة، قد تعرضت لهزائم عسكرية، فإن هزيمة التنظيم لا تعني بالضرورة هزيمة المنطق الذي استند إليه. فالفكرة التي تُقدِّس الإقصاء تستطيع أن تعيش بلا راية، وأن تنتقل بين الأجيال دون تنظيم، وأن تختبئ خلف مفردات مألوفة حتى تجد من يمنحها تفسيراً متطرفاً أو ظرفاً مناسباً. وهنا ينبغي أن نمتلك الشجاعة الفكرية للتمييز بين الدين بوصفه إيماناً يعتنقه الملايين، والتأويل الديني الذي يحوّل الاختلاف إلى تراتبية في الكرامة والحقوق. إن السؤال المشروع ليس اتهام المؤمنين، بل مساءلة التأويلات التي تمنح إنساناً سلطة نزع الحقوق عن إنسان آخر باسم السماء.
والأكثر تعقيداً أن الإقصاء لا يرتدي دائماً وجهاً غاضباً. فقد يكون الإنسان مهذباً في علاقاته، رقيقاً في عباراته، حاضراً في مناسبات الآخرين، لكنه لم يحسم في أعماقه سؤال المساواة؛ هل يرى المختلف عنه شريكاً كامل الحقوق، أم إنساناً يتسامح مع وجوده ما دام لا يطالب بندية المواطنة؟ إن المجاملة التي لا تتحول إلى اعتراف صريح بالمساواة تظل علاقة اجتماعية قابلة للاهتزاز عند أول اختبار. فليس كل من يصافح المختلف قد تجاوز فكرة التمييز، وليس كل من يتحدث عن التسامح مستعداً للدفاع عن المساواة حين تصبح مكلفة. فالتسامح قد يعني أنني أقبل وجودك رغم اختلافي معك، أما المساواة فتعني أن وجودك وحقوقك لا يحتاجان إلى قبولي أصلاً. وبين المفهومين مسافة حضارية كاملة؛ فالأول قد يتغير بتغير المزاج الاجتماعي، أما الثاني فيستند إلى كرامة إنسانية وحق دستوري لا يخضعان للمجاملة أو الاسترضاء.
إن كل اعتداء جديد على رجال الأمن أو المواطنين في الأردن والعالم، متى ثبت ارتباطه بالتطرف، يضعنا أمام مسؤولية تتجاوز ملاحقة الجناة. فالأجهزة الأمنية تحمي المجتمع من الخطر المباشر، لكن لا يمكن تحميلها وحدها مسؤولية معالجة الأفكار التي تمنح العنف مبرراته. إن المدرسة والجامعة والمنبر الديني والأسرة والإعلام تتحمل مسؤولية بناء عقل لا يكتفي برفض الجريمة، بل يرفض المقدمات التي قد تبررها. ولا يكفي أن نعلّم الناشئة أن قتل المختلف جريمة؛ ينبغي أن نعلّمهم لماذا لا يملك أحد، مهما كانت قناعته الدينية، حق الانتقاص من إنسانية المختلف أو مواطنته. فالوقاية الفكرية تبدأ قبل التحريض الصريح، عند اللحظة التي يتحول فيها الاختلاف من حقيقة إنسانية إلى مبرر للانتقاص من الحقوق.
لعل أكثر ما يحتاج إلى مراجعة هو اعتقادنا أن مظاهر الاعتدال تكفي دليلاً على الاعتدال نفسه. فتخفيف المظاهر الدينية لا يضمن التحرر من الأفكار المتطرفة، كما أن الالتزام الديني الظاهر لا يدل بذاته على التطرف. قد يكون الإنسان شديد التدين وعميق الاحترام لحقوق الآخرين، وقد يكون بعيداً عن الشعائر ويحمل تصورات إقصائية خطيرة. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع شكل التدين، بل مع المعيار الذي يحكم علاقة الإنسان بمن يختلف عنه. والوسطية، مهما تكرر إعلانها، لا تصبح حقيقة اجتماعية إلا عندما تظهر في تفسير النصوص، وفي التربية، وفي التشريعات، وفي فرص العمل، وفي المساواة أمام القانون، وفي شجاعة المؤسسات الدينية في مراجعة التأويلات التي تتعارض مع الكرامة الإنسانية.
لعلنا بحاجة إلى معيار جديد لا ينتظر أن تتحول الفكرة إلى خطر أمني حتى يختبرها: هل يستطيع صاحب القناعة أن يقبل للمختلف عنه الحقوق والكرامة والحرية نفسها التي يطالب بها لنفسه؟ إذا كانت الإجابة مشروطة بالدين أو الهوية أو الانتماء، فإننا أمام خلل أخلاقي يستحق المراجعة، حتى إن لم يتضمن تحريضاً على العنف. فليست كل فكرة إقصائية مشروعاً إرهابياً، لكن كل فكرة تجعل حقوق الإنسان رهينة هويته تستحق مساءلةً قبل أن تصبح جزءاً من ثقافة التمييز.
فما الحل؟ ربما يبدأ من التوقف عن معالجة الإرهاب بوصفه حدثاً أمنياً منفصلاً عن البيئة التي قد تسمح بنموه. نحتاج إلى انتقال عميق من إدانة النتائج إلى مساءلة المقدمات؛ ومن الاكتفاء بالدعوة إلى التسامح إلى تعليم المساواة باعتبارها حقاً لا منحة؛ ومن الخطاب الديني الذي يطلب من الناس حسن معاملة المختلف إلى خطاب يقرر بوضوح أن الاختلاف لا ينقص من حقوقه شيئاً. ونحتاج، قبل ذلك كله، إلى شجاعة التمييز بين نقد الأفكار واحترام أصحابها، وبين حرية الاعتقاد ورفض تحويل الاعتقاد إلى سلطة على حقوق الآخرين.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل جريمة إرهابية أن ننجح في إيقاف الجاني، ثم نعجز عن مساءلة الفكرة التي جعلته يرى الجريمة صواباً. فالدولة تستطيع أن تمنع الرصاصة من الوصول إلى هدفها، لكن المجتمع وحده، بمؤسساته وعقله النقدي وقيمه، يستطيع أن يمنع الكراهية من أن تصبح قناعةً نترقب رصاصتها التالية. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد أن تصمت الجرائم هو؛ هل انتهت الجريمة حقاً، أم انتهى مرتكبها فقط؟



