*
السبت: 31 أكتوبر 2026
  • 31 أكتوبر 2026
  • 15:49
اقتصاد الزيتون ثروة وطنية يمكن استغلالها
الكاتب: الدكتورعبدالله فؤاد الخب

ونحن في موسم قطف الزيتون، تبادر إلى ذهني سؤال: لماذا لا يكون الأردن في مقدمة الدول العربية المصدّرة لزيت الزيتون، خصوصا" أنه من دول حوض البحر الأبيض المتوسط المعروفة بتاريخها العريق في زراعة الزيتون؟
هذا السؤال يحمل في طياته جانبين؛ الأول عاطفي ينبع من حبي لوطني وانتمائي له، والثاني اقتصادي يتعلق بحجم الثروة التي يمكن تحقيقها من زراعة الزيتون وإنتاج زيته، وما يرتبط به من فرص استثمارية وتنموية.
ومما لا شك فيه أن الأردن يمتلك ثروة زراعية مهمة، تأتي شجرة الزيتون في مقدمتها، باعتبارها جزءا" أصيلا" من هويتنا الوطنية، ومصدرا" للدخل للأفراد والمنشآت، وأحد المرتكزات المهمة للأمن الغذائي الوطني.
ولأننا نعيش في عصر أصبحت فيه الأرقام والبيانات أساسا" لفهم الفرص الاقتصادية واتخاذ القرارات، فقد دفعني هذا التساؤل إلى البحث في واقع إنتاج الزيتون في الأردن، ومقارنته ببعض التجارب الإقليمية.
تكشف البيانات الرسمية عن تذبذب واضح في إنتاج زيت الزيتون الأردني؛ فقد بلغ الإنتاج نحو 35.8 ألف طن في موسم 2024، قبل أن ينخفض إلى نحو 16.3 ألف طن في موسم 2025، أي بتراجع تجاوز 54%. وفي المقابل، تشير التوقعات الأولية لموسم 2026 إلى إمكانية وصول الإنتاج إلى 30 ألف طن، مقارنة بطلب محلي يقدر بنحو 27 ألف طن.
ولا شك أن هذه التقلبات تعكس تحديات مناخية وإنتاجية، لكنها تطرح في الوقت ذاته تساؤلا" استراتيجيا": هل نكتفي بمستويات الإنتاج الحالية، أم نبدأ التفكير في كيفية توسيع القاعدة الإنتاجية وتعظيم العوائد الاقتصادية لهذا القطاع على المدى الطويل؟
وهنا لا بد من الاستشهاد بتجربة المملكة العربية السعودية الشقيقة، التي تستحق الدراسة، وخصوصا" في منطقة الجوف، التي أصبحت مركزا" رئيسياً لإنتاج الزيتون، بفضل الاستثمارات الزراعية والتوسع في المساحات المزروعة واستخدام التقنيات الحديثة، رغم التحديات المرتبطة بطبيعة المناخ والموارد المائية.
فبحسب بيانات وزارة البيئة والمياه والزراعة السعودية المنشورة في نوفمبر 2025، تجاوز إنتاج المملكة 351 ألف طن من ثمار الزيتون، استحوذت منطقة الجوف وحدها على نحو 290 ألف طن منها. كما دخلت إحدى المزارع في منطقة الجوف موسوعة غينيس للأرقام القياسية عام 2024، باعتبارها أكبر مزرعة زيتون حديثة، بمساحة تقارب 77 ألف دونم.
إن ما يلفت الانتباه في التجربة السعودية ليس حجم الإنتاج وحده، وإنما قدرتها على تحويل زراعة الزيتون إلى نشاط استثماري واسع النطاق، يقوم على التخطيط والتكنولوجيا وتطوير الإنتاج والتصنيع والتسويق. وهي تجربة يمكن للأردن الاستفادة من دروسها، مع مراعاة الاختلافات في طبيعة الأراضي والموارد المائية والظروف الاقتصادية.
وفي المقابل، يمتلك الأردن مناطق ذات ظروف طبيعية ملائمة لزراعة الزيتون، خصوصا" في المحافظات الشمالية والغربية. وقد خطا الأردن بالفعل خطوة مهمة من خلال إعداد خارطة زراعية وطنية لدى المركز الوطني للبحوث الزراعية، تحدد الأراضي الصالحة للزراعة واستخداماتها المناسبة بالاعتماد على التقنيات الجغرافية الحديثة.
وهنا يبرز السؤال الاقتصادي الأهم: إلى أي مدى استطعنا تحويل مخرجات هذه الخارطة إلى فرص استثمارية ومشروعات زراعية منتجة؟ وما حجم الأراضي الملائمة لزراعة الزيتون التي يمكن استثمارها اقتصاديا"، مع مراعاة الموارد المائية المتاحة؟
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في تحديد الأراضي الصالحة للزراعة، بل في الانتقال من مرحلة الدراسات والخرائط إلى مرحلة التنفيذ والاستثمار، من خلال ربط الأراضي الملائمة بالمستثمرين، وتوفير التمويل والحوافز المناسبة، وتطوير مشروعات زراعية وصناعية متكاملة تعزز الإنتاج الوطني وتفتح آفاقا" جديدة للتصدير.
فالتوسع المدروس في زراعة الزيتون لا يقتصر أثره على زيادة الإنتاج، بل يمتد إلى خلق فرص عمل في الزراعة والخدمات اللوجستية والصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف والتسويق والتصدير. كما يمكن لهذه المشروعات أن تساهم في تنشيط الاقتصادات المحلية في المحافظات، واستقطاب الاستثمارات خارج العاصمة، وربط التنمية الزراعية بالصناعات الصغيرة والمتوسطة.
غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب التعامل بجدية مع تحديات المياه والتغير المناخي وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتجنب التوسع في المناطق التي تعتمد على استنزاف المياه الجوفية غير المتجددة. فالتوسع الزراعي الحقيقي لا يقاس بعدد الأشجار المزروعة فقط، بل بقدرته على تحقيق عوائد اقتصادية مستدامة دون الإضرار بالموارد الطبيعية.
ومن هنا، فإنني أرى أهمية إطلاق مبادرة وطنية للاستثمار في اقتصاد الزيتون، تقوم على الاستفادة من الخرائط الزراعية المتاحة وتطويرها لتحديد الأراضي الملائمة وغير المستغلة والقابلة للاستثمار، وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتوفير الحوافز والتمويل المناسب للمشروعات الزراعية والصناعية المرتبطة بهذا القطاع.
إن اقتصاد الزيتون في الأردن يستحق أن ينتقل من إطار الحديث الموسمي عن الإنتاج والأسعار إلى مستوى التخطيط الاستثماري الوطني، وأن ننظر إليه باعتباره فرصة اقتصادية يمكن أن تساهم في تعزيز النمو والتشغيل والأمن الغذائي والصادرات الوطنية.
فالسؤال لم يعد فقط كيف نزيد إنتاج الزيتون، بل أين يمكن أن نزرع، وكيف نستثمر، وما العائد الذي نستطيع تحقيقه، وكيف نحول الإنتاج إلى صناعة وطنية قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية؟
إن الثروة الحقيقية ليست في عدد أشجار الزيتون التي نمتلكها اليوم، بل في قدرتنا على استثمار الأرض الملائمة، وزيادة إنتاجيتها، وتحويل ثمارها إلى قيمة اقتصادية مستدامة للأجيال القادمة.
 

مواضيع قد تعجبك