في الأزمات لا تُختبر قوة المجتمعات بما تقوله في لحظات الغضب بل بما تستطيع حمايته من قيم حين يصبح الغضب مفهومًا وتصبح الشائعة أسرع من الحقيقة. فالأحداث الأخيرة في الأردن كشفت مفارقة تستحق التأمل: فبينما يوحّد الألم الأردنيين حول قيم التعاطف والتضامن الا ان بعض المساحات الرقمية قد تتحول إلى منصات لتأجيج الخصومة والانقسام. وبين المشهدين يتحدد سؤال بالغ الأهمية: كيف نحول التلاحم الوطني إلى قوة تحمي المجتمع؟
ففي الحضور الملكي ومواقف التضامن والمواساة تتجسد قيمة تتجاوز الرمزية؛ وهي أن المصاب الذي يمس الأسرة الأردنية يصبح شأنًا وطنيًا حين يتعامل معه المجتمع بوصفه مسؤولية مشتركة. فالوطنية ليست مظهرًا يفرض على الجميع بل رابطة تتسع للاختلاف وتجمع الناس حول الكرامة والعدالة وسيادة القانون
لكن ما يحدث في الميدان لا ينتقل بالضرورة إلى المنصات بالصورة نفسها. فقد يبقى خطاب الكراهية محدودًا نسبيًا في مجموع التفاعلات ومع ذلك يكتسب حضورًا مؤثرًا عندما يستهدف الهوية الدينية أو يحاول تعميم المسؤولية عن جريمة فردية على جماعة كاملة. وهنا تكمن خطورة الخطاب الرقمي في الأزمات. فالشائعة لا تحتاج دائمًا إلى أن يصدقها الجميع؛ يكفي أن يعيد كثيرون تداولها قبل التحقق منها. والصورة المتجزأة قد تسبق التوضيح الرسمي والاتهام المتسرع قد يترك أثرًا أطول من التصحيح. وقد تدفع الخوارزميات المحتوى المثير للغضب إلى مزيد من الظهور فيبدو الانقسام أكبر مما هو عليه. لذلك فإن مقاومة الكراهية لا تبدأ بحذف المنشورات وحده بل بفهم آليات انتشارها وعدم منحها مزيدًا من الوصول عبر إعادة نشرها أو الدخول في سجالات توسع دائرة تأثيرها.
وتبدأ المسؤولية من المستخدم نفسه. قبل مشاركة خبر عن المشتبه بهم أو صورة للضحايا أو تسجيل يثير الانفعال ينبغي السؤال عن المصدر وتاريخ النشر ومدى تأكيد المعلومة من جهة موثوقة. والأهم ألا يتحول الدين أو الأصل أو المنطقة إلى قرينة اتهام؛ فالمسؤولية الجنائية فردية وتحديدها من اختصاص الجهات القضائية وفق الأدلة والإجراءات القانونية. فالامتناع عن نشر معلومة غير مؤكدة ليس ضعفًا في الموقف بل قوة في الحكم على الأمور.
أما الحكومة والمؤسسات الإعلامية فمسؤوليتهما لا تقتصر على إصدار بيان بعد وقوع الحدث. فسرعة تقديم المعلومات الدقيقة وتوضيح ما تأكد وما لا يزال قيد التحقيق وتصحيح الشائعات دون إعادة تضخيمها عناصر أساسية في بناء الثقة. وكلما كان التواصل الرسمي واضحًا ومتواصلًا تقلصت المساحة التي تتسلل منها الروايات المضللة. وفي المقابل ينبغي للمؤسسات الإعلامية التمييز بين نقل الخبر وتضخيم خطاب الكراهية وللمنصات الرقمية التعامل مع التهديدات والتحريض وفق قواعد معلنة وشفافه.
والفرصة الحقيقية اليوم هي أن يتحول التلاحم الذي ظهر في الأزمة إلى عمل مستدام. فتستطيع المدارس والجامعات تدريب الشباب على التحقق من الأخبار، ويمكن للإعلام والقيادات الدينية والمجتمعية بناء رسائل مشتركة ترفض التمييز وتؤكد وحدة المواطنة. كما يمكن للمؤسسات قياس أثر جهودها من خلال سرعة تصحيح المعلومات وجودة الاستجابة للبلاغات وحماية بيانات المتضررين وتراجع انتشار المحتوى التحريضي. بهذه الخطوات لا يبقى التضامن صورة عابرة أو موقفًا مرتبطًا بمناسبة بل يصبح قدرة وطنية تتجدد في كل اختبار.
إن الأردن لا يحتاج إلى إجماع على كل رأي بل إلى اتفاق على ما يحفظ كرامة الإنسان ويصون أمن المجتمع. وقد يكون الاختلاف دليلًا على حيوية المجتمع ما دام لا يتحول إلى تحريض أو إقصاء. أما الوطنية الرقمية فلا تُقاس بعدد المنشورات التي ترفع الشعارات بل بقدرتنا على التثبت قبل النشر والإنصاف قبل الاتهام وحماية الخصوصية حتى في أشد لحظات الانفعال. فالتلاحم الحقيقي ليس أن نتشابه جميعًا بل أن نرفض السماح للخوف والكراهية بتفكيك ما يجمعنا. وحين يصبح كل مواطن شريكًا في حماية الحقيقة تتحول الأزمة من تهديد للوحدة الوطنية إلى فرصة لترسيخها؛ ويغدو الفضاء الرقمي امتدادًا لقيم الأردن لا ساحة لاختبار صبره وتماسكه.



