قد تتوقف الجريمة حين تصمت الرصاصة، لكن اختبار الوطن يبدأ بعد صمتها؛ فالإرهاب لا يراهن فقط على من يسقط في لحظة الجريمة، بل على ما قد يُسقِطهُ بعدها داخل المجتمع؛ ثقةً تتصدع، وطمأنينةً تنكمش، وجاراً يبدأ بالنظر إلى جاره بعينٍ لم تكن بينهما من قبل. وخطورته الأبعد ليست فيما يفعله بالجسد وحده، بل بما يفعله بمعنى (نحن)؛ أن يحوّل الاختلاف من ثراءٍ داخل الوطن إلى حدودٍ بين أبنائه، وأن يزرع في الذاكرة الواحدة سؤالاً لم يكن ينبغي أن يولد أصلاً: مَن الأصيل ومَن الدخيل؟
لعل الوقت قد حان لنتجاوز حتى بعض المفردات التي اعتدنا استدعاءها بعد كل جرح؛ كـالتعايش، والعيش المشترك، وملح الأرض، الخ. فهي، رغم نبل مقاصدها، تصف جماعاتٍ متجاورة نجحت في قبول بعضها بعضاً، بينما حقيقتنا التاريخية أعمق: لسنا سكاناً متجاورين في وطن واحد؛ نحن جذورٌ متشابكة صنعت معنى الوطن نفسه. لذلك أقترح استخدام مصطلح المواطنة الجذرية – Rooted Citizenship؛ فالمسيحي ليس ضيفاً تاريخياً أحسن الوطن استضافته، والمسلم ليس مالكاً لأصل يمنح الآخر حق البقاء فيه؛ كلاهما خارج هذه المعادلة أصلاً، لأنهما من جذور المكان وصانعي ذاكرته وشركاء مستقبله. حضور أيٍّ منهما ليس هامشاً تحميه أغلبية، ولا امتيازاً تمنحه أكثرية، بل جزءٌ أصيل من تعريف (نحن). فالجذور لا تتعايش تحت الشجرة، ولا يسأل أحدها الآخر مَن سبق إلى التراب؛ إنها تتشابك في العمق لكي يبقى الوطن واقفاً فوق الأرض، نامياُ نحو الأعالي.
الدرس الذي ينبغي أن نخرج به ليس أن مجتمعنا متماسك فحسب؛ فالأحداث الاستثنائية لا تُقرأ بما وقع فيها فقط، بل بما كشفت عنه قبل أن يقع. علينا أن ننتقل من سؤال: كيف نمنع الحادث القادم؟ إلى سؤال أكثر ذكاءً: كيف نكتشف اللحظة التي يبدأ فيها إنسان ما بالانسحاب النفسي من مجتمعه قبل أن يتحول انسحابه إلى عداء؟ هنا نحتاج إلى رادار التصدعات المجتمعية؛ منظومة متكاملة تلتقط التحولات الدقيقة في العزلة، والقطيعة، والخوف المتبادل، والتغيرات غير المعتادة في العلاقات داخل المجتمعات المحلية. فالإرهاب لا يبدأ دائماً بالسلاح؛ أحياناً يبدأ حين يتقلص الوطن داخل عقل الإنسان حتى لا يعود يتسع لجاره. والوقاية الأذكى ليست ملاحقة الكراهية بعد أن تتكلم، بل اكتشاف الفراغ الذي يسمح لها بأن تصبح المعنى الوحيد المتاح.
أما الوحدة الوطنية فلا تحتاج بعد اليوم إلى مزيد من المهرجانات التي نلتقط فيها صورة جماعية ثم يعود كل منا إلى عالمه؛ بل إلى هندسة المصير المشترك - Shared Destiny Engineering. دعونا نطور مختبرات وطنية للحياة المشتركة تجمع شباب القرى والمدن المختلفة لإنجاز مشروعات حقيقية معاً! وإقامة مخيمات الخدمة الوطنية المجتمعية يلتقي فيه الشباب حول خدمة كبار السن، والبيئة، والقرى الأقل حظاً، وحماية التراث، بحيث تُبنى الأخوّة بالفعل لا بالشعار! لنطلق برامج توأمة الجوار الوطني بين المدارس، والبلديات، والأندية من بيئات مختلفة لتبادل التجارب والخبرات الحياتية! هلموا لنوثق بنك الذاكرة الأردنية الذي والسرديات والقصص الجامعة بين المسلمين والمسيحيين الذين حمى بعضهم بعضاً وتقاسموا البناء والدفاع والفقد والفرح، دعونا نطبق اختبار المسافة الاجتماعية الذي يقيس دورياً، لا ما يقوله الناس عن الوحدة، بل مدى استعدادهم الحقيقي للثقة والتعاون والجوار والشراكة مع المُختَلِف. عندها ننتقل من إدارة التنوع إلى إنتاج الترابط، ومن الاحتفال بالوحدة إلى بناء بنيتها التحتية الإنسانية.
إن أفضل ما نفعله بعد الحدث الأليم ليس أن نُبقي الحادث حياً، بل أن نجعل درسه حياً. فالتاريخ الأردني لم يُبنَ على أن جماعة استضافت أخرى، بل على جماعات أصبحت، عبر الزمن والمصير والتضحية، وطناً واحداً؛ فالمسيحي الأردني لا يحتاج إلى شهادة حسن انتماء، كما لا يحتاجها أخوه المسلم. فكلاهما يملك في الوطن جذرَ ذاكرة وحصةَ مستقبل. وإذا كان الإرهاب يريد أن يجعلنا نحصي اختلافاتنا، فليكن جوابنا أن نصنع من اختلافنا قدرةً وطنية جديدة. فالمجتمع الأقوى ليس الذي يستطيع القول بعد كل حادثة: ما زلنا متماسكين، بل الذي يستطيع أن يقول بعد سنوات: لقد تعلّمنا من الجرح كيف نبني وطناً يصعب على الكراهية أن تجد فيه مكاناً تبدأ منه.



