أغلق المعبر، فعلقت مئات الشاحنات على الحدود، وعلق معها سائقوها.
وخرج أبناء الرمثا يقولون لهم: بيوتنا مفتوحة، وأنتم ضيوف أعزاء.
فتحوا الباب، ثم عرفوا الاسم.
وفي تلك الأيام رصد الأمن العام حسابات وهمية تدار من خارج الأردن، تحاول بث الإساءة والكراهية لاستدراج الناس إلى توسيع دوائرها.
بيوت مفتوحة على الأرض، وهواتف مفتوحة على الجهة الأخرى.
الرصاصة الأولى قتلت تسعة في حمود. والثانية تكفيها إصبع على شاشة.
الأولى تقتل جسدا. والثانية تقتل الثقة: يصير الجار مشتبها به، والمسجد متهما، والمنهج مجرما، والضيف عدوا.
وكلفة الأولى دم. وكلفة الثانية صفر، فالغضب يعمل بالمجان.
وهذا الترتيب مكتوب سلفا. ففي شباط 2015 نشر تنظيم داعش في مجلته «دابق» مقالا بعنوان «انقراض المنطقة الرمادية».
المنطقة الرمادية عنده هي الجيرة: مسلم ومسيحي يتبادلان الخبز والسلام، ومسلم لا يعلن ولاءه لأحد.
وأراد التنظيم أن يدفع المجتمعات إلى هدمها بيدها. يطلق الرصاصة الأولى، ثم ينتظر أن نتولى الثانية نحن.
وفي سامراء عام 2006 فجر تنظيم القاعدة في العراق مرقدا، وانتظر الرد. فجاء الرد حربا أهلية.
والوصفة قديمة: رصاصة أولى، ثم ننتظر الغضب ليكمل العمل.
ومن يشغل الحسابات الوهمية، أيا كان، يؤدي وظيفة هذه الوصفة، وهي وصفة لم يقرأها الغاضبون.
وسمعنا اتهاما للمناهج، وسمعنا دفاعا عنها.
ذكر وزير الداخلية أن مواجهة الفكر التكفيري تبدأ من التعليم والمناهج وتصل إلى المساجد والجامعات ومواقع التواصل. ونقلت العناوين عنه أن المناهج «تحتاج إلى شغل كثير».
وأعلن المركز الوطني لتطوير المناهج، الأربعاء 28 تشرين الأول، أن الكثير من الاتهامات لا يعكس محتوى الكتب، وأن من ينتقد كتابا فليسم الكتاب والصف والنص، وليقرأه في سياقه.
والموقفان يتجاوران. فالشغل الكثير يحتاج إلى عنوان، والعنوان يكتبه الدليل.
وللقرآن قاعدة قديمة في هذا: «إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا».
فلنوسع القاعدة لتصير ميزانا للجميع.
من يطلب مراجعة منهج فليسم الكتاب والصف والنص.
ومن يطلب مراجعة منبر فليسم الخطبة والخطيب والتاريخ.
ومن يتهم جارا فليسم الفعل والفاعل.
وما عدا ذلك رصاصة بلا اسم!
ولتصر القاعدة مؤسسة، فالشعار يتبخر. فليفتح المركز نافذة علنية يرسل إليها الناس صورة النص والصف والصفحة، ويجيبهم عنها خلال أسبوع. وتفتح الأوقاف نافذة مثلها للخطب.
وتنشر كل نافذة شهريا عدد الأسئلة والأجوبة، فالمراجعة التي لا تقاس وعد.
فمن عنده دليل يجد بابا. ومن عنده غضب فقط يجد مرآة.
وبين الناس وبين الهاتف أربعة أسئلة.
من كتب؟ ومن أين؟
ماذا سمّى؟ ومن يربح إن انتشر؟
فإن غاب الاسم وحضر الغضب، فأنت أمام طُعم.
وقال الأمن العام إنه سيتخذ أشد الإجراءات القضائية بحق من ينشر المحتوى المحرض أو يعيد نشره.
وإعادة النشر توقيع باسمك على ما كتبه غريب.
والقانون يسري على الجميع: من يشتم مسجدا، ومن يشتم كنيسة، ومن يشتم كتابا مدرسيا، ومن يشتم ضيفا عالقا على الحدود.
والمطلوب منا أقل من القانون وأكثر منه: أن نكبح الإصبع قبل أن يكبحه القاضي.
أرادت الأولى أن تفصل الأردنيين، فجمعتهم الجنازة.
وأرادت الثانية أن تفصلهم عن جيرانهم، ففتحت الرمثا بيوتها.
هذه هي المنطقة الرمادية، وقد قررنا ألا ننقرض.
فلنفتح هواتفنا بالطريقة نفسها: نعرف الاسم قبل أن نمرر الرسالة!



