*
الاربعاء: 28 أكتوبر 2026
  • 28 أكتوبر 2026
  • 23:01
بين قداسة الدم وثقل السيادة قراءة عقلانية في خطاب الأمن والهوية
الكاتب: عبدالسلام الطراونة

انتشرت مؤخرا مقاطع وخطابات تحظى بمتابعة وتفاعل واسع، تجتزئ حقيقة العمليات العسكرية على الحدود وتخلط بين العاطفة الشعبية المفهومة ومتطلبات الأمن القومي.
لا شك أن دوافع الغيرة والحرص التي ينطلق منها كثير من المتحدثين، وفي مقدمتهم السيد إبراهيم الخصاونة الذي نحترم شخصه ونقدر غيرته الوطنية، هي مشاعر مقدرة ونابعة من وجدان أردني أصيل.  
 غير أن التفكير العام ومسؤولية الحفاظ على مصلحة الوطن يفرضان علينا أن نتوقف ونقول: "لكن"، لنزن هذه الطروحات بميزان العقل والمصلحة العليا بعيدا عن فخ الانفعال.  
إن اختلافنا مع السياسات الإدارية والاقتصادية للحكومات المتعاقبة، وامتلاكنا لمآخذ مشروعة على أدائها في ملفات عديدة، أمر طبيعي وصحي.  
 غير أن هذا الاختلاف لا يعني بحال من الأحوال خلط الأوراق عند المنعطفات الكبرى، فالحكومات تذهب وتجيء وتبقى الدولة راسخة بأركانها وشعبها.
رإن المصالح الوطنية العليا والمصيرية تقتضي فوق كل اعتبار وحدتنا جميعا وتكاتفنا كصف واحد؛ إذ لا مجال للمناكفة السياسية حين يتعلق الأمر بسلامة التراب الوطني واستقرار المجتمع وحماية حدوده.
لا يختلف اثنان في وجدان هذه الأمة على حرمة الدم السوري البريء، فهو دم شقيق تجمعه بالأردن وشعبه وشائج الجغرافيا والتاريخ والقرابة الممتدة عبر سهول حوران.  
إن ألم فقدان أي نفس بريئة، سواء كانت أردنية أو سورية، هو وجع تشاركه كل ضمائر أبناء الوطن، ولا يقبل المزايدة من أحد غير أن الواجب يقتضي توصيف ما يجري على الحدود الشمالية بدقة استراتيجية؛ فالأردن يخوض مواجهة مفتوحة ضد ميليشيات وشبكات تهريب منظمة للسلاح والمخدرات تستهدف تدمير أمن المجتمع واستقراره.
هذه الجماعات المسلحة تلجأ عن قصد وسبق إصرار إلى استراتيجية قذرة، تتمثل في التموضع داخل القرى المأهولة والتستر بالمدنيين كدروع بشرية لفرض معادلة شلل على القوات المدافعة عن الحدود.
حين يتحرك سلاح الجو والقوات المسلحة، فإنهم يمارسون واجبا دستوريا ودفاعيا خالصا لحماية أرواح ملايين المواطنين في الداخل والجوار.  
إذا كانت العمليات قد خلفت ضحايا مدنيين جانبيين، فإن التوصيف العسكري والأخلاقي يختلف جذريا عن الاستهداف العمد؛ فالقانون الدولي يحمل الجماعات التي تستخدم المدنيين دروعا بشرية المسؤولية الأخلاقية والجنائية عن هذه النتائج.
 إن إبداء الأسف الرسمي لضحايا هذه العمليات هو تعبير عن نبل قيمي ووازع أخلاقي وليس اعترافا بجريمة مقصودة.  
 إن المقارنة بين دفاع الأردن الشرعي عن حدوده وبين ممارسات قوى الاحتلال تسقط الموازين العادلة وتخلط عمدا بين حماية الوطن وحروب العدوان.  
 إن الطرح الذي يعتبر تحذير المسؤولين من التطرف بمثابة وصم للمساجد والمدارس، أو دليلا على الفشل والفساد، ينطوي على مغالطة تقلب مقاصد العمل الوقائي.  
المساجد في الأردن لم تكن يوما مستهدفة في جوهرها، بل كانت وستبقى قلاع الوسطية وحصون الهوية السمحة.غير أن الواقع الأمني يعلمنا أن أخطر مراحل التمدد الراديكالي تبدأ دائما بمحاولة اختراق هذه الحصون خلسة عبر نشاطات فردية تتسلل بعيدا عن المنابر الموجهة.  
إن ضبط المنابر والتأكد من نقاء الرسالة الدينية لحماية المجتمع لا يعني التشكيك في الأئمة أو المعلمين، بل حمايتهم والمؤسسة الدينية من الاستغلال والتوظيف الهدام.  وافتراض استحالة وجود أفكار متطرفة لمجرد وجود موافقات ورقابة رسمية يغفل تعقيدات السلوك البشري والتحولات الفكرية التي لا تقاس بالإجراءات الإدارية وحدها.  
 يعد إقحام مفاهيم مثل المؤامرات الخارجية، أو ربط إجراءات الدولة بمشاريع كـ "الديانة الإبراهيمية"، محاولة لتحويل مسار النقاش من وقائعه الفنية والأمنية إلى فضاءات شعبوية مغذية للاحتقان.  
 إن تسييس ملف مكافحة الإرهاب والتشكيك في نوايا أجهزة الدولة عند كل استحقاق يعطل التكاتف المطلوب بين المجتمع ومؤسساته والنقد البناء للأداء الحكومي حق مكفول ومطلوب دائما، لكنه ينبغي أن يقف عند حدود الخطوط الحمراء التي تمس أمن الوطن واستقراره وهيبة سلاحه الشرعي 
تنبع قوة الدولة الأردنية دائما من قدرتها على الموازنة بين نقاء ضميرها الإنساني وصلابة قرارها السيادي، ولا يمكن ترك الساحة مفتوحة للغة الانفعال التي تقيس القرارات المصيرية للأوطان بمنطق العاطفة وحدها.
الدم الأردني والسوري غال لا مساومة عليه، ولكن الدفاع عن أمن الأردن وحماية حدوده أمانة مقدسة لا تقبل التردد، ومهمة تتسامى فوق كل الحسابات والمواقف الآنية.

مواضيع قد تعجبك