*
الثلاثاء: 27 أكتوبر 2026
  • 27 أكتوبر 2026
  • 22:21
من المستفيد من توتر العلاقة بين سوريا والأردن
الكاتب: سارة سويلم

- ضحايا مدنيون، روايتان رسميتان، ومعركة سرديات على المنصات الرقمية

 

لا تقف تداعيات الغارات الأردنية التي استهدفت مواقع في جنوب سوريا عند حدود الخسائر البشرية أو الجدل حول طبيعة الأهداف؛ فالتطورات الأخيرة فتحت سؤالاً أكبر يتصل بمستقبل العلاقة بين عمّان ودمشق: من المستفيد من انتقال التنسيق الأمني بين الجارين إلى مساحة من التوتر العلني، في لحظة يحتاج فيها البلدان إلى تعاون فعلي لضبط الحدود ومواجهة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب؟

تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في ظل التصريحات الرسمية المتبادلة، وما رافقها من تفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد النقاش مقتصراً على طبيعة العملية العسكرية أو أهدافها، بل امتد إلى تبادل الاتهامات والتشكيك في النوايا، وصولاً إلى خطاب يتجاوز الحادثة نفسها ليضع مستقبل العلاقة بين البلدين أمام تساؤلات صعبة.

وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام خلاف أمني قابل للاحتواء عبر القنوات الرسمية، أم أمام أزمة قد تتسع بفعل التصعيد الإعلامي وتضارب الروايات؟

بين الروايتين الأردنية والسورية

يعكس التباين في التصريحات الرسمية اختلافاً في زاوية النظر إلى الحادثة؛ فالأردن يضع أمنه الوطني ومواجهة التهديدات العابرة للحدود في مقدمة أولوياته، في حين تركز دمشق على السيادة السورية وسلامة المدنيين وضرورة احترام قنوات التنسيق بين الدولتين.

لكن التباين في المواقف لا ينبغي أن يحجب السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا حدث على الأرض؟ وما طبيعة المواقع التي استُهدفت؟ وهل اتُّخذت التدابير الكافية لحماية المدنيين؟

إن سقوط ضحايا مدنيين، وفق ما أُعلن عن الحادثة، يستدعي تحقيقاً شفافاً يكشف ملابسات ما جرى، ويحدد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو محاولات توظيف المأساة في صراعات سياسية وإعلامية.

فالأمن الأردني مصلحة وطنية لا خلاف عليها، كما أن حماية المدنيين واحترام السيادة مسؤوليتان لا يمكن التعامل معهما باعتبارهما قضيتين متعارضتين بالضرورة. والتحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحقيق الأمن ومنع التهديدات، مع تجنب اتساع دائرة الخسائر البشرية والتوتر السياسي.

من المستفيد من اتساع الخلاف؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال باتهام جهة بعينها أو افتراض وجود مخطط خارجي من دون أدلة. لكن قراءة المشهد تتيح تحديد أطراف قد تستفيد من تراجع الثقة والتنسيق بين عمّان ودمشق.

في مقدمة هؤلاء تأتي الجماعات المسلحة وشبكات التهريب التي تستفيد من الثغرات الأمنية وضعف تبادل المعلومات. فكلما تراجعت قدرة الدولتين على التنسيق، ازدادت صعوبة التعامل مع التهديدات التي تتجاوز الحدود، وأصبح المجال أكثر تعقيداً أمام الأجهزة المعنية بملاحقة هذه الشبكات.

كما أن استمرار التوتر قد يضعف فرص بناء تفاهمات عملية بشأن أمن الحدود، ويزيد من صعوبة معالجة الملفات المتشابكة في الجنوب السوري، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الأوضاع المحلية والاقتصادية والاجتماعية.

ولا يعني ذلك أن كل خلاف بين الدولتين يصب تلقائياً في مصلحة طرف ثالث، بل إن استمرار الخلاف من دون قنوات واضحة للاحتواء قد يخلق بيئة أكثر ملاءمة للجهات التي تراهن على هشاشة الاستقرار.

وهنا تبرز المفارقة: قد تتفق عمّان ودمشق على ضرورة مواجهة التهديدات الأمنية، لكن غياب الثقة أو اختلاف تقدير الموقف قد يحوّل التحدي المشترك إلى مصدر خلاف بينهما.

صناع المحتوى.. حين تتحول الأزمة إلى معركة روايات

لا يمكن فهم تطورات العلاقة الأردنية السورية بمعزل عن الدور الذي تؤديه منصات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، خصوصاً مع الانتشار السريع للتصريحات والمقاطع المصورة والمنشورات التي تتناول تفاصيل العملية العسكرية وتداعياتها.

ففي مثل هذه الأحداث، لا يقتصر التنافس على المواقف الرسمية، بل يمتد إلى محاولة فرض رواية معينة على الجمهور. وتظهر منشورات تتبنى الموقف الأردني وتضعه في سياق حماية الأمن الوطني، في مقابل منشورات تركز على السيادة السورية وسقوط المدنيين، فيما تذهب حسابات أخرى إلى توسيع دائرة الاتهامات وتقديم استنتاجات غير مثبتة بشأن دوافع الأطراف المختلفة.

ومن المهم هنا التمييز بين النقد المشروع للسياسات والقرارات، وبين نشر معلومات غير موثقة أو تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة بين الشعبين.

فليس كل من ينتقد الضربات الأردنية معادياً للأردن، كما أن الدفاع عن حق الأردن في حماية أمنه لا يعني تجاهل ما أُعلن عن سقوط ضحايا مدنيين. إن اختزال النقاش في ثنائية التخوين والتبرير يحرم الجمهور من فرصة فهم الوقائع ومناقشة المسؤوليات بصورة موضوعية.

وتزداد خطورة المشهد عندما تنتشر معلومات من دون تحديد مصادرها، أو تُستخدم صور ومقاطع خارج سياقها، أو تُقدَّم فرضيات سياسية على أنها حقائق مؤكدة. وفي هذه الحالة، قد يتحول صانع المحتوى، بقصد أو من دونه، إلى طرف يسهم في تضخيم الأزمة بدلاً من تفسيرها.

ولا يعني ذلك أن صناع المحتوى جميعاً يتعمدون التضليل؛ فبعضهم ينقل مخاوف حقيقية أو يعبر عن غضب مشروع. لكن اتساع تأثيرهم يفرض مسؤولية أكبر في التحقق من المعلومات، والفصل بين الخبر والرأي، وتجنب التحريض والتعميم.

فمن يملك المعلومة غير الدقيقة قد يساهم في تأجيج الخلاف، ومن يملك المنصة الواسعة يستطيع أن يوسّع دائرة التوتر، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً في الأحداث.

معبر نصيب.. حين يدفع الاقتصاد ثمن التوتر

لا تتوقف تداعيات الخلاف عند الجانب السياسي والأمني؛ إذ يمكن لأي اضطراب في حركة العبور بين الأردن وسوريا أن ينعكس على المصالح الاقتصادية والاجتماعية المشتركة.

ويكتسب معبر نصيب أهمية خاصة باعتباره منفذاً رئيسياً لحركة الأفراد والبضائع بين البلدين، وممراً مهماً للتجارة البرية في المنطقة. لذلك فإن أي إغلاق أو تقييد لحركة العبور قد يضع أعباء إضافية على التجار وسائقي الشاحنات والعائلات التي تعتمد على استمرار الحركة عبر الحدود.

كما أن استمرار الأزمة قد يفاقم حالة عدم اليقين لدى قطاعات اقتصادية تحتاج إلى استقرار الإجراءات الحدودية ووضوحها، في وقت تتجاوز فيه آثار التوتر الحكومات لتصل إلى المواطنين وأصحاب الأعمال.

ومن هنا، فإن إدارة الخلاف لا ينبغي أن تقتصر على التصريحات الأمنية، بل يجب أن تشمل أيضاً تقييم التداعيات الاقتصادية والإنسانية، والعمل على تجنب تحميل المدنيين أعباء لا علاقة لهم بصنع القرار.

هل تقف أطراف خارجية خلف التصعيد؟

يطرح اتساع التوتر سؤالاً عن احتمال استفادة أطراف إقليمية أو دولية من تراجع التنسيق بين الأردن وسوريا، خصوصاً في منطقة تتشابك فيها الملفات الأمنية والسياسية.

لكن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التمييز بين الاستفادة من النتائج والتسبب فيها. فقد تستفيد جهة ما من خلاف لم تصنعه، وقد تسعى جهة أخرى إلى توظيفه سياسياً أو إعلامياً، إلا أن ذلك لا يشكل دليلاً على أنها خططت له أو دفعته إلى التصعيد.

وعليه، فإن الحديث عن تدخلات خارجية يجب أن يستند إلى معلومات موثوقة وأدلة قابلة للتحقق، لا إلى مجرد وجود أطراف قد تستفيد من تراجع الاستقرار.

وفي المقابل، لا ينبغي استبعاد البعد الإقليمي من التحليل؛ فاستقرار الحدود الأردنية السورية يرتبط بأمن المنطقة، وأي تراجع في التعاون بين البلدين قد تكون له تداعيات تتجاوز نطاق الحادثة المباشرة.

والسؤال الأكثر أهمية هنا ليس فقط: من يستفيد من الخلاف؟ بل أيضاً: ما الظروف التي تسمح بتحويل حادثة أمنية إلى أزمة سياسية أوسع، وما الإجراءات التي يمكن أن تمنع ذلك؟

لجنة مشتركة.. اختبار للثقة لا مجرد إعلان

في ظل هذا المشهد، تبرز أهمية أي تحرك أردني سوري لتشكيل لجنة أمنية أو ميدانية مشتركة، إذا تأكدت تفاصيله الرسمية. فمثل هذه الخطوة يمكن أن توفر فرصة لإعادة بناء قنوات الاتصال وتوضيح ملابسات الحادثة، شرط أن تتحول إلى آلية عملية لا تقتصر على التصريحات.

وتحتاج إدارة الحدود إلى إجراءات واضحة لتبادل المعلومات، وقنوات اتصال مباشرة في الحالات الطارئة، وتفاهمات بشأن التعامل مع التهديدات الأمنية العابرة للحدود، بما يقلل احتمالات سوء التقدير أو تضارب الروايات.

كما أن التحقيق في ملابسات سقوط المدنيين، والإعلان عن نتائجه بشفافية، يمثلان عنصرين أساسيين في معالجة تداعيات الحادثة. فالمساءلة لا تضعف الثقة بين الدول، بل يمكن أن تسهم في بنائها عندما تستند إلى الوقائع وتُطبَّق بصورة واضحة.

ولا يقل أهمية عن ذلك توضيح الإجراءات المتعلقة بمعبر نصيب، وتجنب ترك المصالح الاقتصادية والإنسانية رهينة التصعيد السياسي أو الإعلامي.

إن نجاح أي لجنة مشتركة لن يُقاس بمجرد الإعلان عن تشكيلها، بل بقدرتها على معالجة أسباب الخلاف، ومنع تكرار الحوادث، وإيجاد آليات عملية توازن بين حماية الأمن واحترام السيادة وسلامة المدنيين.

العلاقة بين الشعبين أكبر من حادثة

تتجاوز العلاقة الأردنية السورية الحسابات الأمنية الآنية؛ فهناك روابط اجتماعية واقتصادية وتاريخية بين الشعبين، ومصالح مشتركة تفرض البحث عن حلول تحفظ الاستقرار وتمنع اتساع الخلاف.

ومن الضروري ألا تتحول التصريحات الرسمية أو المنشورات الرقمية إلى أدوات لتعميم الاتهامات على الأردنيين أو السوريين، أو إلى مبرر لتغذية خطاب الكراهية والعداء.

فالنقد السياسي حق مشروع، ومناقشة القرارات الأمنية ضرورة، والمطالبة بكشف الحقيقة بشأن سقوط المدنيين حق لا ينبغي التقليل من شأنه. لكن هذه المسارات لا تستلزم تحويل الخلاف إلى مواجهة شعبية أو التشكيك في نوايا مجتمع بأكمله.

وفي المقابل، فإن الدعوة إلى التهدئة لا تعني تجاوز الأسئلة الصعبة أو تبرير ما حدث، بل تعني التعامل مع الوقائع بمسؤولية، وتجنب التصعيد الذي قد يضر بمصالح البلدين معاً.

وهنا تتحمل وسائل الإعلام وصناع المحتوى مسؤولية خاصة في تقديم المعلومات الموثوقة، وإتاحة المجال لوجهات النظر المختلفة، والابتعاد عن العناوين التي تثير الانفعال على حساب الفهم.

الخلاصة: من يربح إذا خسر البلدان الثقة؟

لا يمكن الجزم بوجود مستفيد واحد أو مخطط موحد يقف وراء توتر العلاقة بين الأردن وسوريا من دون أدلة. لكن يمكن القول إن استمرار الخلاف قد يخلق فرصاً أمام الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، ويزيد من صعوبة التنسيق الأمني، ويضع أعباء اقتصادية واجتماعية على المواطنين، فيما تستفيد حملات التضليل من غياب المعلومات الدقيقة واتساع مساحة الشك.

أما الأردن وسوريا، فإن مصلحتهما تكمن في احتواء الخلاف ومعالجة أسبابه، لا في تركه يتوسع بفعل التصريحات المتبادلة أو معارك السرديات على المنصات الرقمية.

فأمن الأردن ليس موضع مساومة، كما أن حماية المدنيين واحترام السيادة السورية ليستا قضيتين يمكن تجاوزهُما. والطريق إلى معالجة التوتر يمر عبر تحقيق شفاف، وتواصل رسمي مباشر، وتنسيق أمني فعلي، وخطاب إعلامي يرفض التحريض ويضع الوقائع قبل الاستنتاجات.

في النهاية، لا يُقاس نجاح عمّان ودمشق بقدرة كل طرف على الانتصار لروايته إعلامياً، بل بقدرتهما على منع تكرار الحوادث وحماية الناس وصون المصالح المشتركة. فحين تتراجع الثقة بين الدول، لا يدفع الثمن صانعو التصريحات وحدهم، بل يدفعه أيضاً المواطنون على جانبي الحدود.

 

مواضيع قد تعجبك