ليست الرصاصة التي تقتل إنسانًا بداية الجريمة دائمًا؛ فقد تسبقها سنوات من تشكّل الأفكار، وتراكم الأحكام المسبقة، وتبرير الكراهية، وتحويل الاختلاف إلى تهديد. وقد تبدأ الجريمة في وعي يتشرّب الإقصاء، أو خطاب يمنح العنف مشروعية زائفة، أو بيئة تتسامح مع التحريض حتى يصبح الانتقال من الكلمة إلى الفعل ممكنًا.
ومن هنا، فإن السؤال الوطني بعد الجريمة الإرهابية التي استهدفت مكان العبادة / كنيسة القديس جاورجيوس في حمود بمحافظة الكرك، لا يقتصر على معرفة مرتكبها ومحاسبته، بل يمتد إلى كيفية تشكّل البيئة التي سمحت للتطرف بالنمو، وأين يمكن لمنظومات الوقاية أن تعزز حضورها لاحتواء الخطر قبل تحوله إلى عنف. فالمواطنة الأردنية لا تتجزأ، والمسيحي الأردني مواطن كامل الحقوق، والاعتداء عليه اعتداء على الأردن بأسره وقيمه الدستورية والاجتماعية الراسخة.
إن الجهود الوطنية المبذولة في مكافحة التطرف، وتعزيز الاعتدال، وتطوير قدرات المؤسسات الأمنية والإصلاحية مقدرة ولا يمكن إنكارها. غير أن فاعلية أي استراتيجية تقاس دوماً بقدرتها على قياس الأثر، وتحديث المعرفة والاتجاهات، والوصول الفاعل إلى الفئات الأكثر عرضة للاستقطاب. وكما أشار بحث متخصص حول دوافع التطرف في الأردن، نشره مشروع CONNEKT عام 2024، فإن الظاهرة تتأثر بعوامل متعددة تشمل التفاعل الرقمي، والتعليم، والتفاوتات الاقتصادية والمناطقية، والفرص الثقافية، مما يؤكد أن مواجهة التطرف تتطلب مقاربة تشاركية متكاملة لا تقتصر على أداة واحدة.
وعليه، فإن المراجعة التنفيذية للاستراتيجيات الوطنية تمثل خطوة مهمة لتعزيز الإنجاز، وتحديد مجالات التطوير، ومواءمة البرامج مع متطلبات العصر، بما يضمن قياس الأثر الإيجابي المستدام.
وتتحمل البيئة الاجتماعية مسؤولية محورية في الوقاية، من دون وصم أي أسرة أو منطقة أو فئة. فالأسرة قد تشكل الحصن الأول بالحوار واحترام التفكير المستقل، كما أن لمؤسسات العبادة والجمعيات والأنشطة الشبابية دوراً أصيلاً. ويتطلب ذلك تمكين المجتمع من اكتشاف المؤشرات المقلقة مبكراً، وتوفير قنوات إرشاد آمنة، وتعزيز دور القيادات المعتدلة، إيماناً بأن الأمن الحقيقي يبدأ من مجتمع يرفض التحريض ويصون كرامة الإنسان.
وفي المجال التربوي، تظل المدرسة والجامعة مطَالبتين بتعميق المناعة الفكرية وبناء مهارات التفكير النقدي، وقبول التنوع، وحوار الاختلاف. إن إدماج مفاهيم المواطنة وسيادة القانون في الممارسة اليومية، وتدريب المعلمين على إدارة الحوار ومواجهة التنمر، يمكن الطلبة من التحقق من المعلومات ومناقشة الخطابات المضللة.
أما في الفضاء الرقمي، فحيث يتسع نطاق التحريض واستهداف الجماعات بخطاب الكراهية، تبرز الحاجة الملحة لتطوير التربية الإعلامية والرقمية، ودعم المحتوى العقلاني، مع ضمان أن يتم رصد التحريض وإنفاذ القانون وفق أقصى الضمانات الحقوقية والرقابة القضائية؛ فمكافحة التطرف لا تبرر بأي حال تقييد الحريات المشروعة، كما أن حماية الحرية لا تعني التساهل مع التحريض على العنف.
ولا شك أن الاستجابة الأمنية تظل ركيزة أساسية لحماية المواطنين وكشف الجرائم، غير أنها تكمل ولا تغني عن الوقاية المبكرة وتكامل الأدوار بين المؤسسات الأمنية، والتربوية، والاجتماعية، والصحية، بما يحترم الخصوصية ويعتمد تقييمات مهنية وموضوعية بعيداً عن الصور النمطية.
ويبرز هنا الدور الحيوي لمراكز الإصلاح والتأهيل؛ فالاسم الذي اختاره المشرّع الأردني يعكس فلسفة متقدمة تتجاوز الاحتجاز البحت إلى إصلاح السلوك وإعادة الإدماج.
وفي هذا السياق، تظهر التقارير الدورية للمركز الوطني لحقوق الإنسان واخرها م التقرير الثاني والعشرين، في أيلول حجم المسؤولية الكبيرة والجهود المبذولة، مما يستدعي الاستمرار في تطوير البيانات الدورية حول نتائج البرامج ومعدلات إعادة الإدماج.
وفي قضايا التطرف العنيف، يتطلب الإصلاح مقاربة متخصصة تشمل مراجعة الأفكار المبررة للعنف، ومعالجة عوامل الخطورة، بالتنسيق مع الأسرة والمجتمع المدني لضمان رعاية لاحقة ناجحة تمنع الوصم وتدعم الاندماج. إن أي تساؤلات مؤسسية تُطرح حول الأداء أو المتابعة لا تستهدف التشكيك، بل تندرج في إطار المراجعة المهنية البناءة التي تهدف إلى التعلم المستمر وتطوير الأداء المؤسسي.
إن جريمة الكرك لا ينبغي أن تنتهي بمجرد القبض على الجناة، بل يجب أن تشكل محطة وطنية متجددة لمراجعة منظومة الوقاية وبناء الوعي، وقدرة المؤسسات على التدخل الاستباقي. إن قوة الدولة تتجلى بإنفاذ القانون بحزم، وبحماية الإنسان قبل أن يقع ضحية. فالمعركة ضد التطرف هي معركة وعي مجتمعي ومأسسة إصلاحية، لا تكتمل إلا بتكاتف جهود الدولة ومجتمعها لضمان ألا تترك بذور التطرف لتنمو، ولتبقى كرامة الإنسان وسيادة القانون فوق كل اعتبار.



