*
الثلاثاء: 27 أكتوبر 2026
  • 26 أكتوبر 2026
  • 23:34
أيها المسيحيون لي في محبتكم شهود أربعة
الكاتب: عماد داود

على طاولة في النادي الأرثوذكسي بعمان شرشف أبيض، وفوقه سجادة صلاة.
الشرشف للقهوة. والسجادة لضيف حان وقت صلاته.
في ساعة المغرب كنت أدخل النادي مواطنا عاديا، فأطلب سجادة.
فتتسابق إليها موظفة الاستقبال ومسؤول القاعة، وتفتح لي القاعة الرئيسية.
وسألت يوما رجلا يناديه الجميع أبا فايق عن جهة القبلة. فتبسم، وقال إن الصلاة عندهم تجوز في كل الاتجاهات.
سألته عن جهة، فأعطاني أفقا. وهذا قريب من الآية الكريمة: «فأينما تولوا فثم وجه الله».
وتبين لي لاحقا أنه رجل الأعمال الكبير ميشيل الصايغ. وقد أجابني كأن لا شغل له سواي.
وفايق اسم مؤسس مجموعته، الذي بدأها عام 1932 في يافا بتجميع هياكل الحافلات، بحسب فوربس الشرق الأوسط.
وفي مرة ضاق الوقت، فصليت على شرشف طاولة. فجاء أحدهم بسجادة، ومدها فوق الشرشف.
لم يسأل ولم يشرح. رأى ما ينقصني فأكمله.
والفقه يكتفي بالأرض، فقد قال النبي: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». والمحبة تضيف سجادة.
تحت جبهتي يومها ثلاث طبقات: سجادة مدها غريب، وشرشف فرشه مضيف، وأرض سماها القرآن بساطا.
وينسى المرء كلمات كثيرة، ولا ينسى من انتبه إلى حاجته قبل أن يشرحها.
التسامح يحتمل. والمحبة تفرش!
وتعلمت من أستاذي الدكتور أسعد عبد الرحمن أن الحب موقف قبل أن يكون عاطفة. يحبهم لأنهم «ملح» الأرض و«سكر» شعبها، وله ما يبرر.
و«ملح الأرض» عبارة قالها المسيح لتلاميذه، فنحن نرد إليهم كلامهم. وهم أكثر من «ملح»، فالتوصيفات الجاهزة تبتلع المعنى. والمحبة تخجل من أن تعلق ميدالية على الصدر.
وأسبابي أصغر من الخطب، وأبقى منها في الذاكرة: سجادة فوق شرشف.
وأذيع اليوم سرا عمره أكثر من عشر سنوات: حبي واحترامي لمديرتي التنفيذية في عملي السابق، وهي مسيحية.
لذكائها المتوقد، وحركتها، وديناميكيتها، وشغفها. ولحضورها أيضا.
مضت عشر سنوات على تركي ذلك العمل، وقلما تمر ليلة دون أن أحلم بالعودة إليه.
اضطررت إلى الاستقالة بعد تصرف غريب، مرده خطأ أو نسيان أو مزحة سمجة في أسوأ توقيت، والمعروف عني الفكاهة والسخرية.
وأصاب بيتي من ذلك ظلم شديد. ورفضت أن أقف أمامها موقف المتهم، أو أن أدافع عن وجهة نظري.
وفي القانون أن الشك يفسر لصالح المتهم. وكنت المتهم، ولم أطلب حتى فرصة الكلام.
واخترت أن أخرج من باب من أحترم هادئا، وأن أترك للسنوات ما لا تحسمه الكلمات.
وعند مفاصل العمر يظهر معدن الناس. ولو سئلت: لماذا؟ لقلت: الاحترام يبقى حين تسقط الوظيفة.
ويوم الجمعة، في حمود بمحافظة الكرك، أطلق مسلحون النار على مشيعين في كنيسة القديس جاورجيوس ومحيطها.
تسعة شهداء، بحسب الأمن العام. والمصابون بالعشرات.
وفي ظهر السبت دقت أجراس كنائس الكرك لأرواح الشهداء. ووقف رجال أمن وأعضاء مجالس محلية ومواطنون في صف التبرع بالدم، بأكمام مرفوعة.
والكرك تعرف هذا الطريق. ففي 2016 توجه آلاف من أهلها إلى المستشفيات للتبرع بالدم لجرحى الهجوم، بحسب صحف يومها.
وشيع الأردنيون الشهداء الأحد من عدة كنائس إلى قبر جماعي قبالة الكنيسة. وحمل رجال الأمن الجثامين على أكتافهم، ملفوفة بأعلام الأردن. ومثل رئيس الوزراء الملك.
وفي ترتيل الأرثوذكس للميت: ذكراه مؤبدة. وفي ألسنتنا: رحمه الله. دعاءان فوق قبر واحد.
وفجر الاثنين أعلن الأمن العام القبض على المنفذين الثلاثة.
وقال الملك: «ولن يفلت أي صاحب فكر يفرق بين الأردني والأردني».
ونقيض هذا الفكر سجادة تجمع ما يفرقه.
وقال رئيس الوزراء إن اجتثاث الفكر التكفيري من جذوره ضرورة. وحذر راعي الكنيسة من فضاء رقمي مفتوح يبث الكراهية.
وكل إبهام يعيد إرسال كراهية، يسحب البساط من تحت ضيف.
وفي صباح الاثنين أدان الأزهر هجمات اقتربت من مكة والمدينة، وذكر بأن الله أمن في تلك البقاع الإنسان والحيوان والنبات.
فإذا أمنت الشجرة في الحرم، فكيف بإنسان يودع ميته في بيت من بيوت الله؟
وهذا قديم. وقف النبي لجنازة، فقيل له: إنها جنازة يهودي. فقال: «أليست نفسا؟»
فالنفس لا طائفة لها.
وتروي كتب السيرة أن وفدا من نصارى نجران حان وقت صلاتهم في المدينة، فقاموا يصلون في مسجد النبي. فأراد الناس منعهم، فقال: دعوهم. فصلوا إلى المشرق.
وتروي كتب التاريخ أن الخليفة الثاني رفض أن يصلي داخل كنيسة القيامة، وصلى على درجها، لئلا يتخذها المسلمون بعده مسجدا.
الأول أدخل ضيفه إلى مسجده. والثاني أخرج نفسه من كنيسة ضيفه. وأهل النادي فرشوا سجادة فوق شرشف.
والضيافة لغة مشتركة. ففي الإنجيل: «كنت غريبا فآويتموني». وفي الحديث: «فليكرم ضيفه». وفي القرآن: «ضيف إبراهيم المكرمين». وأشهر أيقونة أرثوذكسية اسمها «ضيافة إبراهيم».
وسجادة النادي سطر من أقدم ما في الكتب.
وهم أقدم منا في هذه الدار. فإذا فرشوا لنا، فصاحب الدار يفرش لضيفه.
وفي فلسطين يقول المسيحي عن الاحتلال ما يقوله جاره المسلم. ومنها جاء البطريرك ميشيل صباح، أول بطريرك فلسطيني للاتين.
وسأل أستاذي في مقال قديم: لماذا لا يكون تطرفنا جنون حياة؟
فلنتطرف في الحب إذن.
ويبقى السؤال علينا: لو حان وقت صلاة ضيف مسيحي في مكتبنا، فهل نفتح له القاعة الرئيسية؟
والأردن لا يحتاج إلى استطلاع عن العيش المشترك. يحتاج إلى اختبار السجادة: يدخل غريب مكانا غريبا عليه، ويطلب سجادة، ثم تعد الأيدي التي تتسابق.
جربوه هذا الأسبوع وعدوا الأيدي.
وفي 2030 يحتفل الأردن عند المغطس بألفي عام على معمودية المسيح، وقد وقع لتهيئة المكان 120 مليون دولار، فيها متحف وقرية للحجاج. والسجادة لا تحتاج إلى مناقصة.
فليجد الحاج المسيحي عند كل مسلم أردني ما وجدته عند أهل النادي: ركنا يصلي فيه إلى المشرق.
وبعد نحو شهرين يأتي الميلاد، وتدق أجراس حمود. فليكن جيرانها المسلمون أول المهنئين على بابها.
على طاولة في النادي الأرثوذكسي بعمان شرشف أبيض، وفوقه سجادة صلاة، وفوقهما جميعا وجه الله. والأجراس والمآذن تنبض بقلب رجل واحد!

مواضيع قد تعجبك