خبرني - نادرا ما يكون المشهد المالي في البرازيل أشبه بنزهة هادئة، فقد وجدت الأوساط الاستثمارية نفسها في مواجهة تداعيات إعادة انتخاب الرئيس لويز إيناسيو لولا دا سيلفا لولاية رابعة، وهي نتيجة بددت الآمال في خفض الإنفاق العام أو تبني سياسات أكثر ملاءمة للسوق.
هذه الوعود كان يطرحها منافسه فلافيو بولسونارو الذي فشل في الفوز في الانتخابات، ومع ذلك، يشير سجل الرئيس الحالي إلى وجود فرص استثمارية محتملة في قطاعات معينة.
وكان فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق المسجون جايير بولسونارو، قد دخل سباق عطلة نهاية الأسبوع متقدما في استطلاعات الرأي وأسواق التوقعات.
وفي المقابل، قدم لولا وعودا اقتصادية تهدف إلى تحسين الأوضاع المعيشية، شملت زيادة مدفوعات الرعاية الاجتماعية بنسبة 15%، وتوفير وسائل النقل العام مجانا خلال عطلات نهاية الأسبوع، وتقليص ساعات العمل الأسبوعية دون المساس بالأجور. وفي نهاية المطاف، حصد لولا نحو 52% من الأصوات في جولة الإعادة.
ماذا حدث في البرازيل بعد الانتخابات؟
بعد نجاح لولا، سجلت الأسهم البرازيلية والعملة الوطنية الريال خسائر تاريخية الإثنين، وذلك بعد أن أدت إعادة انتخاب الرئيس لويز إيناسيو لولا دا سيلفا في نتيجة جاءت مفاجئة إلى قلب رهانات السوق الأخيرة التي كانت تتوقع صعود تيار يميني إلى السلطة.
وفقا لرويترز، هبط الريال البرازيلي بأكثر من 11% مقابل الدولار الأمريكي في التعاملات الفورية المبكرة، مسجلا واحدا من أكبر تراجعاته اليومية على الإطلاق، في حين انخفض مؤشر "بوفيسبا" (Bovespa) الرئيسي للأسهم بأكثر من 15%، وهو أكبر هبوط يومي له من حيث النسبة المئوية منذ عام 1998.
طالت موجة البيع أيضا الديون السيادية، حيث كانت السندات طويلة الأجل الأكثر تضررا، إذ انخفضت قيمة السندات المستحقة عام 2054 بمقدار 2.5 سنت، ليصل عائدها إلى 7.45%، وذلك في ظل تسليط الضوء على المسار المالي للبرازيل.
وذكر كبير الاقتصاديين المختصين بأمريكا اللاتينية في مؤسسة "أكسفورد إيكونوميكس"، ماوريسيو مونجي، في تقرير له أن "فوز لولا أدى إلى موجة بيع حادة في الأسواق، حيث أعاد المستثمرون تقييم التوقعات المالية في ظل ولايته الرابعة".
وأضاف مونجي أن التحدي الأكبر الذي يواجهه لولا "سيكون إقناع الأسواق بقدرته على تنفيذ إصلاح مالي موثوق ومستدام، مع إعطاء الأولوية في الوقت ذاته لنمو الأجور الحقيقية وتوفير فرص العمل".
ما هي أبرز التقلبات في السوق؟
أعلنت شركة "بي 3" (B3) -المشغلة للبورصة البرازيلية- في بيان لها، عن تعليق التداول في البورصة لمدة 30 دقيقة، بعد أن هبط مؤشر "بوفيسبا" (Bovespa) بنسبة 10% عن مستوى إغلاقه السابق، مما فعّل آلية "قاطع الدائرة" (circuit breaker) المخصصة للحد من التقلبات.
وجاء هذا الإجراء بعد أن كانت "بي 3" قد قامت في وقت سابق بتوسيع حدود التداول اليومية لعقود مؤشر "بوفيسبا" الآجلة، وعقود الدولار الآجلة، وعقود أسعار الفائدة الآجلة، وذلك استجابةً للتقلبات المتزايدة في السوق.
أظهرت بيانات شركة "إس آند بي غلوبال ماركت إنتليغنس" أن عقود مقايضة التخلف عن سداد الائتمان للبرازيل لأجل 5 سنوات -وهي مقياس لتكلفة التأمين ضد احتمالية تعثر الدولة عن سداد ديونها- قفزت إلى 151.67 نقطة أساس، بعد أن كانت قد أغلقت عند 120.21 نقطة أساس يوم الجمعة.
وفي ظل تراجع الأسواق، ألغت وزارة الخزانة البرازيلية مزاداتها الدورية للسندات الحكومية -سواء تلك المرتبطة بمعدلات التضخم أو ذات العائد الثابت- والتي كانت مقررة في 27 و29 أكتوبر/تشرين الأول.
وتراجعت أسعار السكر الخام الذي تعد البرازيل مصدرا رئيسيا له بنسبة 5.6%، وذلك على وقع انهيار سعر الصرف.
يُمثل هذا الهبوط الحاد انعكاسا مفاجئا لموجة الصعود التي شهدتها الأسواق في وقت سابق من هذا الشهر؛ إذ انتعشت الأسواق حينها على وقع توقعاتٍ بالتحوّل نحو اليمين، وذلك بعد أن جاء السيناتور فلافيو بولسونارو في المرتبة الأولى بشكلٍ غير متوقع في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية البرازيلية.
كما عكست عقود أسعار الفائدة الآجلة توقعات بأن تبني سياسة مالية أكثر صرامة -في حال تشكيل حكومة بقيادة بولسونارو- قد يفسح المجال لخفض تكاليف الاقتراض.
وقد زاد رفض السيناتور بولسونارو الإقرار بالهزيمة، وتعهده بالسعي لإلغاء نتائج الانتخابات، من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاستراتيجي في بنك "آي إن جي" (ING) في لندن، كريس تيرنر: "سيكون من المهم بالنسبة للأسواق المالية المحلية مدى سرعة تقبّل بولسونارو للنتيجة، أو على الأقل سماحه للدستور بأن يأخذ مجراه".
ما هي التحديات القادمة أمام لولا؟
ستتجه الأنظار الآن نحو الشخصية التي سيختارها لولا لتولي منصب وزير المالية، وما قد يعنيه ذلك بالنسبة لنهجه في السياسة المالية.
وقال الخبير في شركة "آر بي سي بلو باي" لإدارة الأصول، غراهام ستوك: "سيكون المؤشر الأهم للأسواق هو مدى التزام إدارة لولا القادمة بالانضباط المالي، بدءاً من تعيين وزير مالية جديد خلال الأسابيع المقبلة".
ويواجه لولا تحدي كبح جماح ارتفاع الدين العام في البرازيل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على البرامج الاجتماعية والاستثمارات؛ حيث يترقب المستثمرون مؤشرات تدل على أن نهجه المالي التدريجي قادر على خفض تكاليف الاقتراض.
من جانبه، قال مدير المحافظ الاستثمارية في شركة "فونتوبيل"، تييري لاروز: "لن يكون أمام إدارة لولا خيار سوى إجراء بعض عمليات الضبط المالي، لكن معظم المستثمرين يشكون في أن ذلك سيكون كافيا لإعادة استدامة الدين العام إلى مسارها الصحيح".
وفي حال غياب الثقة بقدرة لولا على تحقيق ذلك، فقد يطالب المقرضون بأسعار فائدة أعلى، مما سيزيد من عبء الديون على البرازيل ويجعل تكلفة الائتمان أكثر ارتفاعاً بالنسبة للشركات والأسر.
وقال كبير مسؤولي الاستثمار للأسواق الناشئة في "يو بي إس" لإدارة الثروات العالمية أليخو سيروونكو: "يرغب المستثمرون في رؤية التزام واضح وموثوق بالانضباط المالي".
وأشار إلى أن المستثمرين يتطلعون إلى مسار ذي مصداقية لتحقيق استقرار الدين العام. حيث صرح فريق الرئيس الذي أُعيد انتخابه بأنه يهدف إلى تحقيق فائض في الميزانية يبلغ نحو 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.
وقالت رئيسة الأبحاث في شركة "ميريديان 1305 كابيتال"، ديفيا سينغارافيلو: "لقد أشارت سياسات لولا إلى خفض الإنفاق، لكنه لم يخض في تفاصيل كيفية تنفيذ ذلك".
تكمن وراء عمليات البيع المكثف مخاوف من أن تكون وعود لولا باهظة التكلفة. فقد ارتفع الدين العام بأكثر من 10 نقاط مئوية خلال فترته الرئاسية الأخيرة ليصل إلى نحو 83% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما لا يزال التضخم أعلى من المستوى المستهدف، رغم وصول سعر الفائدة القياسي إلى 13.75%. ورغم أن تقديم مزايا أكثر سخاءً قد يعزز الاستهلاك، إلا أنه ينطوي على مخاطر إطالة أمد تكاليف الاقتراض المرتفعة وضعف الاستثمار في قطاع الأعمال.
ومع ذلك، يشير سجل لولا السابق إلى أن القتامة المالية لا تعني بالضرورة كارثة على الشركات. فخلال فترتيه الرئاسيتين الأوليين، بين عامي 2003 و2011، ساعد ازدهار أسعار السلع الأساسية والانضباط المالي المبكر في تحقيق نمو اقتصادي بمتوسط يزيد عن 4% سنوياً. وحتى بعد التراجعات الأخيرة في الأسواق، لا يزال مؤشر "إيبوفيسبا" أعلى بنحو 57% من مستواه عند عودة لولا إلى منصبه في يناير/كانون الثاني 2023.
كيف امتدت الأزمة عالميا؟
من المرجح أن يفرض الكونغرس الأأمريكي قيودا على لولا هذه المرة أيضاً؛ إذ إن هيمنة قوى اليمين ويمين الوسط في كلا المجلسين قد تحد من طموحاته في الإنفاق، لكنها قد تعيق في الوقت ذاته جهود زيادة الإيرادات وتحقيق استقرار الدين الوطني.
وقالت صحيفة وول ستريت جورنال، إن تأثير الانتخابات امتد إلى أسهم شركات في الولايات المتحدة وأوروبا ذات انكشاف كبير على السوق البرازيلي؛ ففي نيويورك، تراجعت أسهم شركة التكنولوجيا المالية "نو هولدينغز" بنسبة 21%، بينما انخفضت أسهم مجموعة التجارة الإلكترونية "ميركادو ليبري" بنسبة 10%.
وفي مذكرة بحثية، أشارت استراتيجية الأسواق في منصة "إيتورو"، لالي أكونر، إلى أن "الأسواق كانت تتوقع في الغالب فوز بولسونارو، لذا فإن جزءاً من رد الفعل هذا يعكس قيام المستثمرين بتغيير مراكزهم الاستثمارية بسرعة، وليس بالضرورة تدهوراً مفاجئاً في الاقتصاد البرازيلي".
وأضافت: "نتوقع استمرار التقلبات، لا سيما وأن المخاوف بشأن الإنفاق الحكومي قد تبقي تكاليف الاقتراض عند مستويات مرتفعة".
وكان يُنظر إلى فوز بولسونارو على أنه السيناريو الأكثر ملاءمة للأسواق، نظراً لوعوده بتحقيق الانضباط المالي، والمضي قدماً في الخصخصة، وتنفيذ إصلاحات داعمة لقطاع الأعمال، فضلاً عن التوقعات بتعزيز التقارب مع الولايات المتحدة.
وفي أعقاب إعلان نتائج الانتخابات، أشار خبراء اقتصاديون في "غولدمان ساكس" إلى أن مسار أسعار الأصول سيعتمد على الأرجح على البيانات المتعلقة بالسياسات المستقبلية.
ويشير المحللون إلى أن "الإدارة ستظل على الأرجح متمسكة بقناعتها الراسخة بأن القطاع العام والشركات المملوكة للدولة يجب أن يظلا المحركين الرئيسيين للنمو والاستثمار".



