خبرني - لم تعد أدوات تعقّب المشتبه فيهم تقتصر على كاميرات المراقبة والتعرّف على الوجوه؛ إذ عاد إلى الواجهة في فرنسا جدلٌ حول استخدام سوائل كيميائية غير مرئية بالعين المجردة، يمكن أن تترك علامات على الجلد والملابس، وتتيح التعرف على الأشخاص لاحقاً، حتى بعد انتهاء الاحتجاجات وتفرّق الحشود.
وتكتسب القضية أهمية خاصة مع تصاعد الاحتجاجات في فرنسا خلال أكتوبر 2026، وسط مطالب اجتماعية وطلابية، وانتقادات لأساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين.
كيف يعمل "الوسم الكيميائي"؟
وتُعرف هذه التقنية بالفرنسية باسم Marquage codé، ويُشار إليها أحياناً إعلامياً باسم "وسم الحمض النووي"، رغم أنها لا تعني بالضرورة استخدام الحمض النووي الحقيقي.
* سائل غير مرئي: يترك علامة مميزة على الجلد أو الملابس، لا تُرى عادة بالعين المجردة.
* كشف لاحق: يمكن إظهار آثار بعض هذه المواد باستخدام الأشعة فوق البنفسجية.
* تحديد مصدر العلامة: ترتبط العلامات برموز مميزة تساعد على ربطها بعملية أو واقعة معينة.
* تعقّب بعد انتهاء الاحتجاج: قد تساعد الآثار المكتشفة لاحقاً المحققين على ربط شخص بمكان أو عملية أمنية، لكنها لا تثبت وحدها ارتكابه جريمة.
من الاحتجاجات إلى الجدل القانوني
لم يبدأ النقاش الفرنسي حول هذه التقنية اليوم. فقد برز خلال احتجاجات منطقة سانت سولان في مارس 2023، عندما أُثيرت تقارير عن استخدام علامات كيميائية خلال مواجهات مرتبطة بالاعتراض على مشروع خزان مائي.
وأثارت القضية تساؤلات بشأن توقيف أشخاص بعد العثور على آثار من هذه المواد، من بينهم صحفي قال إنه كان موجوداً لتغطية الأحداث. وتكمن المشكلة في أن وجود العلامة قد يدل على التعرض للمادة أو انتقالها بالملامسة، لكنه لا يثبت بالضرورة أن حاملها شارك في أعمال عنف.
أما التطور الأبرز في أكتوبر 2026، فهو ما أوردته تقارير صحفية عن توصيات برلمانية فرنسية لتوسيع استخدام وسائل التعرف على المشتبه فيهم، بما فيها العلامات الكيميائية، بهدف تسهيل توقيفهم لاحقاً. وتشير تقارير منشورة أمس إلى استمرار الخلاف بشأن الإطار القانوني الناظم لهذه الممارسة.
أين تكمن الخطورة؟
ينقسم النقاش بين اعتبارات أمنية وحقوقية:
* من منظور الشرطة: يمكن أن تساعد التقنية في التعرف على أشخاص يُشتبه في تورطهم في التخريب أو الاعتداء، حتى بعد مغادرة موقع الأحداث.
* من منظور المدافعين عن الحريات: قد يتعرض متظاهر سلمي أو صحفي أو مسعف للوسم من دون ارتكاب مخالفة، ما يثير مخاوف من التوقيف الخاطئ والمساس بحرية التظاهر.
وتبقى المسألة الأساسية هي كيفية التحقق من هوية الشخص الذي حمل العلامة، وإثبات صلته بفعل غير قانوني، وضمان حقه في الطعن في الأدلة المستخدمة ضده. فالعلامة الكيميائية، مهما بلغت دقتها، لا تعادل دليلاً تلقائياً على الإدانة.
المخاطر الصحية.. ماذا يمكن أن يفعل السائل بالجسم؟
إلى جانب الجدل القانوني والحقوقي، تبرز تساؤلات بشأن التأثيرات الصحية المحتملة لهذه المواد، خصوصاً عندما تُرش في أماكن مزدحمة أو يتعرض لها أشخاص من مسافات قريبة. وتعتمد المخاطر الفعلية على التركيبة الكيميائية للسائل وتركيزه وطريقة التعرض له، ولا يمكن اعتبار جميع مواد الوسم متطابقة من حيث السلامة.
فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في الرش قد تسبب تهيجاً للجلد أو العينين، وقد يؤدي استنشاق الرذاذ إلى تهيج الأنف أو الحلق أو الجهاز التنفسي، بحسب مكوناته وتركيزه. وقد تكون المخاطر أكبر لدى الأشخاص الذين يعانون من حساسية تجاه مكونات معينة أو مشكلات تنفسية سابقة، لكن لا يمكن الجزم بوجود هذه التأثيرات في حالة مادة بعينها من دون معرفة تركيبها وبيانات سلامتها.
وتزداد أهمية هذه المخاوف في التجمعات الكبيرة، حيث يصعب أحياناً تحديد الأشخاص الذين تعرضوا للمادة أو معرفة الكمية التي وصلت إليهم. كما أن بقاء آثار على الملابس أو الجلد يطرح تساؤلات بشأن مدة استمرار التعرض وإمكانية انتقال المادة إلى أشخاص آخرين عبر الملامسة، وهي مسائل تتطلب تقييماً علمياً بحسب نوع السائل المستخدم.
ولا يعني وصف المادة بأنها غير مرئية أنها سامة بالضرورة، كما أن استخدامها لأغراض التعرف لا يثبت أنها خالية من المخاطر الصحية. لذلك، تظل معرفة المكونات الكيميائية، وتوافر اختبارات السلامة، وتحديد تعليمات التعامل مع التعرض العرضي، عناصر ضرورية لتقييم المخاطر بعيداً عن التهويل أو التقليل منها.
استمع للمقال
النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
6:53
x1
5 دقائق
للقراءة
لم تعد أدوات تعقّب المشتبه فيهم تقتصر على كاميرات المراقبة والتعرّف على الوجوه؛ إذ عاد إلى الواجهة في فرنسا جدلٌ حول استخدام سوائل كيميائية غير مرئية بالعين المجردة، يمكن أن تترك علامات على الجلد والملابس، وتتيح التعرف على الأشخاص لاحقاً، حتى بعد انتهاء الاحتجاجات وتفرّق الحشود.
وتكتسب القضية أهمية خاصة مع تصاعد الاحتجاجات في فرنسا خلال أكتوبر 2026، وسط مطالب اجتماعية وطلابية، وانتقادات لأساليب تعامل الشرطة مع المتظاهرين.
من الاحتجاجات الفرنسية - رويترز
من الاحتجاجات الفرنسية - رويترز
كيف يعمل "الوسم الكيميائي"؟
وتُعرف هذه التقنية بالفرنسية باسم Marquage codé، ويُشار إليها أحياناً إعلامياً باسم "وسم الحمض النووي"، رغم أنها لا تعني بالضرورة استخدام الحمض النووي الحقيقي.
* سائل غير مرئي: يترك علامة مميزة على الجلد أو الملابس، لا تُرى عادة بالعين المجردة.
* كشف لاحق: يمكن إظهار آثار بعض هذه المواد باستخدام الأشعة فوق البنفسجية.
* تحديد مصدر العلامة: ترتبط العلامات برموز مميزة تساعد على ربطها بعملية أو واقعة معينة.
* تعقّب بعد انتهاء الاحتجاج: قد تساعد الآثار المكتشفة لاحقاً المحققين على ربط شخص بمكان أو عملية أمنية، لكنها لا تثبت وحدها ارتكابه جريمة.
من الاحتجاجات إلى الجدل القانوني
لم يبدأ النقاش الفرنسي حول هذه التقنية اليوم. فقد برز خلال احتجاجات منطقة سانت سولان في مارس 2023، عندما أُثيرت تقارير عن استخدام علامات كيميائية خلال مواجهات مرتبطة بالاعتراض على مشروع خزان مائي.
وأثارت القضية تساؤلات بشأن توقيف أشخاص بعد العثور على آثار من هذه المواد، من بينهم صحفي قال إنه كان موجوداً لتغطية الأحداث. وتكمن المشكلة في أن وجود العلامة قد يدل على التعرض للمادة أو انتقالها بالملامسة، لكنه لا يثبت بالضرورة أن حاملها شارك في أعمال عنف.
أما التطور الأبرز في أكتوبر 2026، فهو ما أوردته تقارير صحفية عن توصيات برلمانية فرنسية لتوسيع استخدام وسائل التعرف على المشتبه فيهم، بما فيها العلامات الكيميائية، بهدف تسهيل توقيفهم لاحقاً. وتشير تقارير منشورة أمس إلى استمرار الخلاف بشأن الإطار القانوني الناظم لهذه الممارسة.
من الاحتجاجات الفرنسية - رويترز
من الاحتجاجات الفرنسية - رويترز
أين تكمن الخطورة؟
ينقسم النقاش بين اعتبارات أمنية وحقوقية:
* من منظور الشرطة: يمكن أن تساعد التقنية في التعرف على أشخاص يُشتبه في تورطهم في التخريب أو الاعتداء، حتى بعد مغادرة موقع الأحداث.
* من منظور المدافعين عن الحريات: قد يتعرض متظاهر سلمي أو صحفي أو مسعف للوسم من دون ارتكاب مخالفة، ما يثير مخاوف من التوقيف الخاطئ والمساس بحرية التظاهر.
وتبقى المسألة الأساسية هي كيفية التحقق من هوية الشخص الذي حمل العلامة، وإثبات صلته بفعل غير قانوني، وضمان حقه في الطعن في الأدلة المستخدمة ضده. فالعلامة الكيميائية، مهما بلغت دقتها، لا تعادل دليلاً تلقائياً على الإدانة.
من الاحتجاجات الفرنسية - رويترز
من الاحتجاجات الفرنسية - رويترز
المخاطر الصحية.. ماذا يمكن أن يفعل السائل بالجسم؟
إلى جانب الجدل القانوني والحقوقي، تبرز تساؤلات بشأن التأثيرات الصحية المحتملة لهذه المواد، خصوصاً عندما تُرش في أماكن مزدحمة أو يتعرض لها أشخاص من مسافات قريبة. وتعتمد المخاطر الفعلية على التركيبة الكيميائية للسائل وتركيزه وطريقة التعرض له، ولا يمكن اعتبار جميع مواد الوسم متطابقة من حيث السلامة.
فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في الرش قد تسبب تهيجاً للجلد أو العينين، وقد يؤدي استنشاق الرذاذ إلى تهيج الأنف أو الحلق أو الجهاز التنفسي، بحسب مكوناته وتركيزه. وقد تكون المخاطر أكبر لدى الأشخاص الذين يعانون من حساسية تجاه مكونات معينة أو مشكلات تنفسية سابقة، لكن لا يمكن الجزم بوجود هذه التأثيرات في حالة مادة بعينها من دون معرفة تركيبها وبيانات سلامتها.
وتزداد أهمية هذه المخاوف في التجمعات الكبيرة، حيث يصعب أحياناً تحديد الأشخاص الذين تعرضوا للمادة أو معرفة الكمية التي وصلت إليهم. كما أن بقاء آثار على الملابس أو الجلد يطرح تساؤلات بشأن مدة استمرار التعرض وإمكانية انتقال المادة إلى أشخاص آخرين عبر الملامسة، وهي مسائل تتطلب تقييماً علمياً بحسب نوع السائل المستخدم.
ولا يعني وصف المادة بأنها غير مرئية أنها سامة بالضرورة، كما أن استخدامها لأغراض التعرف لا يثبت أنها خالية من المخاطر الصحية. لذلك، تظل معرفة المكونات الكيميائية، وتوافر اختبارات السلامة، وتحديد تعليمات التعامل مع التعرض العرضي، عناصر ضرورية لتقييم المخاطر بعيداً عن التهويل أو التقليل منها.
الخريف الأوروبي ينثر أوراق الغضب.. شوارع ملتهبة بعدة عواصم وحظر تجول بفرنسا
العرب والعالم
الخريف الأوروبي ينثر أوراق الغضب.. شوارع ملتهبة بعدة عواصم وحظر تجول بفرنسا
بين الأمن والحرية.. من يراقب أدوات المراقبة؟
لا يتعلق الخلاف بفعالية التقنية الأمنية فحسب، بل بضمانات استخدامها أيضاً: من يملك صلاحية وسم الأشخاص؟ وكيف تُحفظ البيانات المرتبطة بالعلامات؟ وما الضمانات التي تمنع استخدامها ضد المشاركين السلميين في الاحتجاجات؟
وتبرز هنا ضرورة وجود قواعد واضحة تحدد الحالات التي يجوز فيها استخدام هذه المواد، والجهات المخولة بذلك، وآليات مراجعة الأدلة الناتجة عنها. كما تظل الرقابة القضائية والشفافية في إعلان طبيعة المواد المستخدمة من الضمانات المهمة لتجنب التوسع غير المبرر في المراقبة.
وفي المحصلة، يضع الوسم الكيميائي السلطات الفرنسية أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من أدوات حديثة للتحقيق في أعمال العنف والتخريب، مع ضمان ألا يتحول مجرد الوجود في مظاهرة إلى قرينة على الإدانة، وألا تصبح التكنولوجيا وسيلة لتقييد الحق في الاحتجاج السلمي أو تعريض الصحة العامة لمخاطر غير واضحة.



