*
الجمعة: 23 أكتوبر 2026
  • 23 أكتوبر 2026
  • 09:23
لماذا قد لا تُسفر انتخابات إسرائيل عن فائز واضح

خبرني - قبل أيام من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية تتجاوز معركة رئاسة الحكومة مجرد التنافس على حصد عدد أكبر من المقاعد في الكنيست. فاستطلاعات الرأي تشير إلى احتمال ألا يتمكن أي من المعسكرين الرئيسيين من ضمان أغلبية برلمانية، وهو ما سيفتح الباب أمام مفاوضات قد تستمر أسابيع، وربما تنتهي دون تشكيل حكومة جديدة.

ففوز تكتل حزبي بأكبر عدد من المقاعد لا يعني أنه سيشكل الحكومة تلقائياً، إذ يجب أن يحصل على 61 مقعداً على الأقل. على سبيل المثال، توجه الناخبون الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع ثلاث مرات في أقل من عام، بين 2019 و2020 لأن الفائزين في الجولتين الأوليين عجزوا عن تشكيل ائتلاف رغم فوزهم بأكبر عدد من المقاعد.

يخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، واحدة من أصعب معاركه السياسية، في مواجهة خصوم يسعون إلى إنهاء حكمه، وبينما تتركز الأنظار على نتائج التصويت، فإن السؤال الذي قد يحدد مستقبل نتنياهو السياسي لن يكون بالضرورة عدد المقاعد التي سيحصل عليها حزب الليكود، بل قدرة رئيس الوزراء أو منافسيه على تشكيل تحالف يحظى بثقة الكنيست.
معسكران رئيسيان

تتمحور المنافسة بالأساس بين معسكر يقوده نتنياهو، وآخر يضم أحزاباً وشخصيات سياسية تسعى إلى أن تحل محله.

ويعتمد نتنياهو على حزب الليكود وتحالفاته مع أحزاب اليمين واليمين المتشدد والأحزاب الدينية، وفي مقدمتها حزب القوة اليهودية بقيادة إيتمار بن غفير، والصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب حزبي شاس ويهدوت هتوراه الدينيين.

في المقابل، يبرز رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، غادي أيزنكوت، ورئيس الوزراء الأسبق، نفتالي بينيت، وزعيم المعارضة، يائير لابيد، وأفيغدور ليبرمان، زعيم "إسرائيل بيتنا"، ويائير غولان الذي يقود حزب "الديمقراطيون" ضمن القوى السياسية المناهضة لاستمرار نتنياهو في الحكم.

لكن هذه الشخصيات تتباين في توجهاتها السياسية.

فبينيت وليبرمان ينتميان إلى اليمين، بينما يتبنى لابيد مواقف وسطية، ويقود غولان تياراً يسارياً، أما آيزنكوت فيحاول تقديم نفسه بديلاً وسطياً يستقطب ناخبين من اتجاهات سياسية مختلفة.
وتمتد الاختلافات بين هؤلاء إلى قضايا جوهرية، بينها العلاقة بين الدين والدولة، وتجنيد الحريديم في الجيش، ومستقبل الصراع مع الفلسطينيين، والسياسات الاقتصادية، وطبيعة العلاقة مع المؤسسة القضائية، وهو ما قد يصعب من اتفاقها على تشكيل حكومة بديلة.
تقدم أحدث استطلاعات الرأي الإسرائيلية صورة متقاربة للأداء المحتمل للمعسكرين، رغم الاختلاف في النتائج التي تمنحها الاستطلاعات لكل حزب.

ففي أربعة استطلاعات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، هي القناة 12 والقناة 13 وقناة "كان" وصحيفة معاريف، يتصدر حزب ياشار استطلاعات الرأي في عدد من السيناريوهات، متفوقاً على الليكود.

ويمنح متوسط نتائج هذه الاستطلاعات أحزاب المعارضة اليهودية نحو 51 مقعداً، مقابل عدد مماثل تقريباً لمعسكر نتنياهو، في حين يمنح الأحزاب العربية نحو 14 مقعداً.

تكشف هذه الأرقام عن مفارقة مهمة: أن أحد المعسكرين قد يتقدم على الآخر لكنه لن يكون قادراً على تشكيل حكومة بمفرده.

كما أن توزيع المقاعد لا يزال عرضة للتغيير، خصوصاً بالنسبة إلى الأحزاب الصغيرة التي تتنافس على تجاوز نسبة الحسم الانتخابية البالغة 3.25 في المئة من الأصوات الصحيحة.

فعدم تجاوز أحد الأحزاب هذه النسبة يعني خسارة جميع الأصوات التي حصل عليها في توزيع المقاعد، وهو ما قد يغير موازين القوى بين المعسكرين حتى لو لم تحدث تحولات كبيرة في توجهات الناخبين.

يشار إلى أن تلك الاستطلاعات عادة ما تقدم صورة عامة لاتجاهات الرأي وموازين القوى بين الكتل الرئيسية، لكن هذا لا يعني أن النتائج ستكون مطابقة لتوقعاتها.
لماذا يعد الرقم 61 حاسماً في السياسة الإسرائيلية؟

يعتمد تشكيل الحكومة عادة على بناء ائتلاف يمتلك أغلبية برلمانية مكونة من 61 مقعداً على الأقل من إجمالي عدد مقاعد الكنيسيت البالغ 120 مقعداً، بما يتيح له القدرة على نيل الثقة والحفاظ على استقرار الحكومة وتمرير التشريعات والميزانية.

وقد يصبح حزب صغير يمتلك أربعة أو خمسة مقاعد فقط طرفاً حاسماً في المفاوضات، إذا كانت مشاركته كافية لمنح أحد المعسكرين الأغلبية. وفي مثل هذه الظروف، لا ترتبط قوة الحزب بعدد مقاعده فحسب، بل أيضاً بمدى حاجة الأطراف الأخرى إليه.
الأحزاب العربية: هل يمكن أن تحسم النتيجة؟

تشير استطلاعات حديثة إلى إمكانية حصول القوائم العربية مجتمعة على عدد من المقاعد يكفي نظرياً لترجيح كفة المعارضة على معسكر نتنياهو.

لكن الحسابات البرلمانية تصطدم باعتبارات سياسية أكثر تعقيداً، فعدد من قادة الأحزاب اليهودية المعارضة لنتنياهو يرفضون تشكيل حكومة تعتمد على مشاركة الأحزاب العربية أو دعمها.

ويعيد ذلك إلى الواجهة الجدل بشأن موقع المواطنين العرب في النظام السياسي الإسرائيلي، وحدود مشاركتهم في صنع القرار، في وقت تشكل فيه قضايا الجريمة والعنف وهدم المنازل والتمييز والحرب في غزة ملفات أساسية بالنسبة إلى الناخب العربي.

وكانت حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد التي تشكلت عام 2021 قد ضمت القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس، في سابقة هي الأولى لمشاركة حزب عربي مستقل في ائتلاف حكومي إسرائيلي. غير أن تكرار هذه التجربة يبدو أصعب في ظل الاستقطاب السياسي الحالي، ومواقف بعض قادة المعارضة.

وحتى إذا لم تشارك الأحزاب العربية في الحكومة، فإن ارتفاع نسبة التصويت في المجتمع العربي قد يؤثر في التوزيع العام للمقاعد، وبالتالي في فرص الأحزاب الأخرى في تشكيل ائتلاف.
كيف يُختار رئيس الحكومة؟

بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات، يجري الرئيس الإسرائيلي مشاورات مع ممثلي الأحزاب المنتخبة. وبحسب قانون أساس الحكومة، يتعين على الرئيس تكليف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة خلال سبعة أيام من نشر نتائج الانتخابات، بعد الاستماع إلى توصيات الكتل البرلمانية.

ويكون أمام السياسي المكلف 28 يوماً لإنجاز المهمة، مع إمكانية تمديد المهلة لمدة لا تتجاوز 14 يوماً إضافياً. وخلال هذه الفترة، تبدأ المفاوضات حول الاتفاقات الائتلافية، وتوزيع الحقائب الوزارية، والبرنامج السياسي للحكومة الجديدة.

وإذا أخفق المكلّف الأول، يسمح القانون بانتقال مهمة تشكيل الحكومة إلى عضو آخر في الكنيست، قبل الوصول إلى إجراء انتخابات جديدة إذا استُنفدت فرص تشكيل الحكومة.
هل بإمكان نتنياهو الاحتفاظ بمنصبه حتى لو خسر الأغلبية؟

لدى نتنياهو أفضلية سياسية مهمة تتمثل في أنه رئيس الحكومة الحالي، وهو المنصب الذي يستمر شاغله في أداء مهامه إلى حين تشكيل حكومة جديدة. وبالتالي، إذا لم تنجح الانتخابات في إنتاج ائتلاف بديل، فلن يغادر نتنياهو منصبه تلقائياً بمجرد ظهور النتائج. وقد يستمر في رئاسة حكومة تصريف الأعمال خلال المفاوضات، وحتى في حالة التوجه إلى انتخابات جديدة.

لكن البقاء في المنصب لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة نفسها على الحكم. فالحكومة التي تواصل عملها في مرحلة انتقالية تواجه قيوداً سياسية وقانونية تتعلق بطبيعة القرارات التي يمكن اتخاذها، كما أن استمرار الإخفاق في تشكيل حكومة جديدة قد يزيد الضغوط على رئيس الوزراء والأحزاب الأخرى.

بيد أن فشل خصوم نتنياهو في التوصل إلى اتفاق قد يمنحه فرصة جديدة لإعادة ترتيب تحالفاته.
السيناريوهات المحتملة بعد 27 أكتوبر/تشرين الأول

أولها نجاح نتنياهو في الحصول على أغلبية برلمانية مع حلفائه، وهو ما يسمح له بتشكيل حكومة جديدة.

يتمثل السيناريو الثاني في حصول الأحزاب المناهضة له على عدد كاف من المقاعد. وهنا قد تصبح المفاوضات داخل المعارضة أكثر تعقيداً من المنافسة مع نتنياهو نفسه، خصوصاً إذا تمسك أكثر من زعيم بمنصب رئاسة الحكومة.

الثالث هو عجز كل طرف عن تشكيل أغلبية، دون أن يكون مستعداً لتقديم التنازلات المطلوبة للتعاون مع خصومه. وقد يدفع هذا الوضع بعض الأحزاب إلى البحث عن ترتيبات غير تقليدية، من بينها حكومة وحدة واسعة أو اتفاق لتناوب رئاسة الحكومة، رغم صعوبة مثل هذه الخيارات في ظل الانقسامات القائمة.

أما الرابع فهو فشل جميع المحاولات، والعودة إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى. وليس هذا السيناريو بالجديد على إسرائيل، التي شهدت خمسة انتخابات خلال أقل من أربع سنوات بين عامي 2019 و2022، نتيجة إخفاق المعسكرات السياسية في تشكيل حكومات مستقرة.
هل ستكون الانتخابات استفتاءً على مستقبل نتنياهو؟

تجري الانتخابات المقبلة في ظروف استثنائية، بعد ثلاث سنوات من هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023الذي شنته حركة حماس، والحرب التي أعقبته في غزة، وما رافق ذلك من مواجهات عسكرية وتوترات سياسية وأمنية داخل إسرائيل وخارجها.

وتطرقت الحملات الانتخابية إلى ملفات المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم، وأداء الحكومة خلال الحرب، والعلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، إلى جانب الأوضاع الاقتصادية وقضية تجنيد الحريديم.

وفي حين يسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه بوصفه قائداً قادراً على التعامل مع التحديات الأمنية والإقليمية، يحاول خصومه إقناع الناخبين بأن استمرار حكمه يعني استمرار الانقسامات والأزمات السياسية.

وتعد الانتخابات كذلك اختباراً لقدرة المعارضة على الانتقال من الاتفاق على رفض بقائه في الحكم إلى الاتفاق على بديل سياسي قابل للتنفيذ.

قد لا تحسم انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول السؤال المتعلق بمستقبل نتنياهو، بل تنقل الإجابة عنه من صناديق الاقتراع إلى طاولات المفاوضات بين الأحزاب. وربما لن تنتهي المعركة عند فرز الأصوات، وإنما عند تحديد من يستطيع تحويل نتائج الانتخابات إلى أغلبية قادرة على الحكم.

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك