خبرني - تضع ثغرة أمنية خطيرة في لغة البرمجة PHP الخدمات الحكومية البريطانية أمام اختبار جديد، بعدما أصبحت 32 خدمة غير متاحة، وتأثرت 4 خدمات أخرى جزئيا.
الواقعة تكشف عن حجم المخاطر التي تواجه البنية الرقمية، وتعيد فتح ملف جاهزية المؤسسات البريطانية للتصدي للهجمات الإلكترونية، وسط تحذيرات رسمية من قصور في حماية الأنظمة الحكومية وتصاعد الحوادث السيبرانية.
ولا تقتصر خطورة الواقعة على تعطل الخدمات، بل تمتد إلى اتساع نطاق التهديد، إذ تشير بيانات موقع W3Techs، المتخصص في تتبع تقنيات الويب، إلى أن PHP تُستخدم في نحو 70% من مواقع الويب التي يمكن تحديد لغة برمجتها.
ومع تكرار الهجمات التي طالت شركات ومؤسسات بريطانية، تبرز فجوات في منظومة الحماية، خاصة مع استمرار الاعتماد على أنظمة تقنية قديمة، ووجود أوجه قصور في الضوابط الأمنية داخل الوزارات، بحسب المكتب الوطني للتدقيق البريطاني.
بحسب تقرير حديث نشره موقع The Record نقلا عن تقييم سنوي لشرطة مدينة لندن، بلغت الخسائر المُبلغ عنها من جرائم الاختراق والجرائم الإلكترونية التي تعتمد على الأنظمة الرقمية مباشرة 14.3 مليون جنيه استرليني خلال السنة المالية 2025-2026، بزيادة 90% عن السنة السابقة.
أما الخسائر المُبلغ عنها عبر فئات الاحتيال المختلفة، بما فيها الاحتيال الذي تستخدم فيه الوسائل الرقمية، فبلغت 3.2 مليار جنيه استرليني خلال الفترة نفسها.
كيف بدأت الأزمة؟
بدأت الأزمة مع الكشف عن ثغرتين أمنيتين خطيرتين في لغة PHP، ويمكن استغلالهما، في ظروف معينة، لإحداث حالة نفاد للذاكرة تؤدي إلى تلفها، بما قد يتيح للمهاجم تنفيذ تعليمات برمجية عن بُعد على خوادم الويب، دون الحاجة إلى المصادقة.
وأوضحت صحيفة «التليغراف» البريطانية أن الثغرتين قد تعرضان المواقع الإلكترونية ومستخدميها لخطر الاختراق، فيما حذرت شركة Wiz المتخصصة في الأمن السيبراني من خطورتهما، واعتبرتهما من بين أخطر الثغرات المكتشفة في PHP، وربما في تاريخ البرمجيات.
ووفقا لوكالة «رويترز»، أعلن مطورو PHP إصدار تصحيحات لمعالجة الثغرتين، في حين حث مسؤولو الأمن السيبراني في الاتحاد الأوروبي المؤسسات التي لا تستطيع تطبيق الإصلاحات على إيقاف المواقع المتأثرة مؤقتا، بدلا من تركها معرضة للخطر.
وتكمن خطورة الثغرتين في انتشار اللغة التي تستهدفانها، إذ ذكر موقع W3Techs أنها تُستخدم في نحو 70% من مواقع الويب التي يمكن تحديد لغة برمجتها، كما تمثل أساسا تقنيا لنظام إدارة المحتوى «ووردبريس»، الذي يشغّل نحو 40% من إجمالي مواقع الويب، وفقا للمعلومات التي أوردتها «رويترز».
وصُنفت الثغرتان عند مستوى 9.2 من 10 على مقياس CVSS v4.0 لخطورة الثغرات الأمنية، وهو تقييم يعكس إمكانية تنفيذ أوامر على الخادم المصاب عبر الإنترنت دون الحاجة إلى كلمة مرور، بما قد يفتح الطريق أمام سرقة البيانات أو تغيير محتوى المواقع أو السيطرة على الأنظمة المتضررة.
ماذا حدث في بريطانيا؟
وفي بريطانيا، دفعت المخاطر المرتبطة بالثغرة مؤسسات إلى إيقاف مواقعها مؤقتا، من بينها مجالس محلية في إدنبرة وأكسفورد وبريستول، بحسب «التليغراف».
وحث المركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني المؤسسات على الاستعداد لتحديث أنظمتها التي تستخدم PHP بصورة فورية، والانتقال إلى إصدارات مدعومة تتضمن الإصلاحات الأمنية، مع النظر في إيقاف الأنظمة التي يتعذر إصلاحها على الفور.
وفي تصريح لبرنامج «وورلد أت وان» على إذاعة «بي بي سي راديو 4»، قال المدير التقني للمركز الوطني للأمن السيبراني، أولي وايتهاوس، إن حجم المشكلة غير مسبوق، محذرا من أن آثارها ستكون ملموسة على نطاق واسع.
وتوضح هذه الواقعة أن انتشار التقنية لا يضمن سلامتها، وأن ثغرة في مكون برمجي واسع الاستخدام قد تتحول إلى نقطة ضعف مشتركة لدى أعداد كبيرة من المؤسسات. لكنها لا تعني بالضرورة اختراق جميع المواقع التي تستخدم PHP؛ إذ يتوقف مستوى الخطر على الإصدارات المستخدمة، وإعدادات الأنظمة، ومدى سرعة تطبيق الإصلاحات.
ما هو حجم الخطر؟
تأتي هذه التطورات في وقت تحذر فيه جهات رقابية بريطانية من أن قدرة الحكومة على الصمود أمام الهجمات السيبرانية لا تزال دون المستوى المطلوب، وأن التقدم في معالجة نقاط الضعف يجري بوتيرة بطيئة، رغم تصاعد التهديدات.
وخلص المكتب الوطني للتدقيق البريطاني، في تقريره عن المرونة السيبرانية للحكومة، إلى أن مستويات الحماية والقدرة على الصمود أمام الهجمات أقل مما كان مقدرا سابقا، مع وجود ثغرات جوهرية في ضوابط الأنظمة داخل الوزارات، وهي عناصر أساسية لحماية البيانات وضمان استمرار الخدمات العامة عند التعرض لهجوم.
وأشار التقرير إلى استمرار اعتماد الوزارات على مئات الأنظمة التقنية القديمة، التي يُرجح أن تكون أقل قدرة على مقاومة الهجمات الحديثة، فضلا عن غياب خطط معالجة ممولة بالكامل لنحو نصف الأنظمة القديمة المعرضة للمخاطر.
وحذر المكتب من أن هذه الفجوات تهدد قدرة الحكومة على تحقيق هدفها المتمثل في جعل وظائفها الحيوية قادرة على الصمود أمام الهجمات السيبرانية.
وتعزز بيانات المركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني صورة الضغوط المتزايدة. ففي عام 2025، تلقى فريق إدارة الحوادث بالمركز 1727 بلاغا عن حوادث محتملة، احتاج 429 منها إلى دعم مباشر من الفريق.
وذكر المركز أن الحوادث المصنفة ذات أهمية وطنية بلغت 204 حوادث، بما يعادل 48% من إجمالي الحوادث التي تعامل معها الفريق، مقارنة بـ89 حادثا في العام السابق. كما صُنفت 18 حادثة، تمثل 4% من الإجمالي، ضمن فئة الحوادث البالغة الأهمية، بزيادة تقارب 50%، وهي زيادة استمرت للعام الثالث على التوالي.
وأوضح المركز أن القطاعات الأكثر إبلاغا عن أنشطة برامج الفدية خلال الفترة المشمولة بالتقرير شملت الأوساط الأكاديمية والمالية والهندسية والتجزئة والصحة والتصنيع، مؤكدا أن أي قطاع أو مؤسسة ليس بمنأى عن هذا التهديد.
وتشير هذه الأرقام إلى أن التحدي لا يتعلق بعدد محاولات الاختراق وحده، بل أيضًا بخطورة الحوادث وقدرتها على تعطيل مؤسسات وخدمات ذات أهمية وطنية.
ما هي أبرز المؤسسات تحت التهديد؟
لا تقتصر المخاطر على المؤسسات الحكومية، بل تمتد إلى قطاع الأعمال والجمعيات الخيرية. ووفقا لمسح الأمن السيبراني البريطاني لعام 2025-2026، المنشور على موقع الحكومة البريطانية، أفادت 43% من الشركات و28% من المؤسسات الخيرية بتعرضها لاختراق أو هجوم إلكتروني خلال الاثني عشر شهرًا السابقة للمسح.
وتعادل هذه النسب نحو 612 ألف شركة و57 ألف مؤسسة خيرية في المملكة المتحدة، بحسب المسح الحكومي. كما قدر أن 19% من الشركات و14% من المؤسسات الخيرية تعرضت لجريمة إلكترونية واحدة على الأقل، بما يعادل نحو 267 ألف شركة و28 ألف مؤسسة خيرية.
وتكشف البيانات عن تفاوت في مستوى التعرض بحسب حجم المؤسسة، إذ بلغت نسبة الشركات المتوسطة التي تعرضت لهجمات أو اختراقات 65%، مقابل 69% لدى الشركات الكبيرة، مقارنة بـ42% للشركات متناهية الصغر و46% للشركات الصغيرة.
وظلت هجمات التصيد الاحتيالي الأكثر شيوعا، إذ تعرض لها 38% من الشركات و25% من المؤسسات الخيرية، وفقا للمسح. وقدر التقرير أن الشركات البريطانية واجهت نحو 5.19 مليون جريمة سيبرانية بمختلف أنواعها خلال عام، بينها قرابة 70 ألف جريمة لا تتعلق بالتصيد الاحتيالي، بينما تعرضت المؤسسات الخيرية لنحو 525 ألف جريمة إلكترونية.
وتشير هذه التقديرات إلى اتساع نطاق التهديد، إذ تشمل البيانات أنواعا مختلفة من الهجمات ومحاولات الاحتيال والاختراق.
ماذا عن الهجمات السابقة وحجم الخسائر؟
تقدم الهجمات التي تعرضت لها شركات ومؤسسات بريطانية خلال عام 2025 أمثلة على النتائج التي قد تترتب على قصور الحماية أو تأخر الاستجابة. ويستعرض تقرير شركة «Crowe» البريطانية المتخصصة في التدقيق والاستشارات وإدارة المخاطر والأمن السيبراني عددا من أبرز هذه الحوادث.
في أبريل/نيسان 2025، تعرضت شركة «ماركس آند سبنسر» لهجوم ببرمجيات الفدية، نُسب إلى مجموعة الجرائم الإلكترونية «Scattered Spider». وأدى الهجوم إلى توقف المبيعات عبر الإنترنت، التي كانت تدر نحو 3.8 مليون جنيه استرليني يوميا، فضلا عن اضطراب أنظمة إدارة المخزون. وقدّر محللون، تراجع القيمة السوقية للشركة بنحو 700 مليون جنيه استرليني.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تعرضت البنية التقنية المشتركة لثلاثة مجالس محلية في لندن، هي كينسينغتون وتشيلسي، وويستمنستر سيتي، وهامرسميث وفولهام، لهجوم إلكتروني أدى إلى تسريب بيانات وتعطل خدمات الإسكان والإعانات والضرائب لأسابيع، وأثارت الواقعة تحقيقات ومخاوف بشأن حماية البيانات، وكشفت مخاطر الاعتماد على بنية رقمية مشتركة دون فصل كافٍ للأنظمة والبيانات.
أما شركة «جاكوار لاند روفر»، فتعرضت في 31 أغسطس/آب 2025 لهجوم سيبراني أدى إلى توقف عمليات التصنيع 5 أسابيع
وتسبب الهجوم في تراجع إنتاج السيارات في بريطانيا بنسبة 27%، واضطراب سلسلة التوريد، وقدّر الخسائر المالية بنحو 1.9 مليار جنيه استرليني، مع تعرض آلاف العاملين في سلسلة التوريد للتسريح المؤقت.
وفي حالة أخرى، فرض مكتب مفوض المعلومات البريطاني في أكتوبر/تشرين الأول 2025 غرامة قدرها 14 مليون جنيه إسترليني على شركة «كابيتا»، بسبب اختراق وقع عام 2023 وأثر على بيانات 6.6 مليون شخص، بحسب «Crowe». وأوضح التقرير أن تأخر عزل جهاز مصاب، رغم اكتشاف الهجوم خلال نحو 10 دقائق، أتاح للمهاجمين التحرك داخل الشبكة، قبل تسريب نحو تيرابايت من البيانات الحساسة ونشر برمجيات الفدية.
وتكشف هذه الوقائع أن التداعيات لا تقتصر على الخسائر المالية، بل تمتد إلى تعطيل الإنتاج والخدمات، وتسريب بيانات المواطنين، والإضرار بسمعة المؤسسات، وتهديد الوظائف وسلاسل الإمداد.
هل الحكومة البريطانية جاهزة للتصدي؟
تشير تقارير المكتب الوطني للتدقيق والمركز الوطني للأمن السيبراني، إلى جانب بيانات الحكومة البريطانية والحوادث، إلى أن بريطانيا تواجه تحديات في تحصين بنيتها الرقمية، تشمل تحديث الأنظمة القديمة، وإدارة صلاحيات الوصول، والاستجابة السريعة للحوادث، وحماية سلاسل الإمداد التقنية.
ومع استمرار الاعتماد على الخدمات الرقمية في إدارة المعاملات الحكومية والاقتصادية واليومية، فإن تأخر معالجة الثغرات قد ينعكس على قدرة المواطنين والشركات على الوصول إلى الخدمات، فضلا عن مخاطر تسريب البيانات وتعطيل الأنشطة الاقتصادية.



