ليست خطورة الخريطة السياسية فيما تعرضه من حدود وأسماء فحسب، بل فيما تحمله من تصورات عن موازين القوة، ومن محاولات لتصنيف الدول ضمن معسكرات تخدم رؤية واضعها للأمن والنفوذ. ومن هنا، فإن الخريطة الخاصة التي عرضها النتن ياهو على شاشة خلفه خلال خطاب ألقاه حول "العقيدة الأمنية الإسرائيلية" واستراتيجية الأمن القومي وتحدث عن أمن إسرائيل ومستقبلها من خلال التحالفات تستحق قراءة سياسية متأنية، لا التعامل معها بوصفها حقيقة مكتملة عن التحالفات القائمة.
بحيث تقسم الخريطة الدول والقوى إلى ثلاث فئات: حلفاء باللون الأزرق، ودول صديقة أو أقل عداءً باللون الأخضر، وأطراف مصنفة أعداء باللون الأحمر. وتثير هذه التقسيمات أسئلة مهمة خصوصًا بشأن إدراج دول مثل باكستان والسعودية ومصر وتركيا ضمن الفئة الخضراء، مقابل وضع إيران وروسيا وقوى إقليمية أخرى ضمن الفئة الحمراء. فهل هذه التصنيفات موقفًا رسميًا معتمدًا.؟؟؟
المسألة الاستراتيجية هنا ليست اللون الذي وُضع تحت اسم الدولة، بل الجهة التي تملك حق تعريف موقعها السياسي. فإدراج دولة في فئة توصف بأنها صديقة لا يثبت وجود تحالف معها، ولا يعني موافقتها على سياسات إسرائيل، ولا يلغي مواقفها المعلنة من القضية الفلسطينية.
وتبرز باكستان مثالًا حساسًا. فهي دولة نووية ذات ثقل إقليمي، ولها مواقف معلنة داعمة للحقوق الفلسطينية. ولذلك، فإن وضعها ضمن تصنيف إسرائيلي مفترض لا يكفي للاستنتاج بوجود تقارب استراتيجي أو تحول في سياستها الخارجية. كما أن جمع دول متنافسة، مثل الهند وباكستان، في فئتين مختلفتين قد يعكس رؤية إسرائيلية للمصالح والتهديدات، لا خريطة تحالفات متماسكة بالضرورة.
سياسيًا، يمكن لمثل هذه الخرائط أن تؤدي وظيفة دعائية مدروسة ومقصودة و إظهار إسرائيل وكأنها مركز شبكة إقليمية واسعة، وتقديم خصومها باعتبارهم أقلية معزولة. وقد تسعى أيضًا إلى التأثير في تصورات الرأي العام وصناع القرار، فالعملية ليست فقط مجرد قراءة الألوان.
أما الخطر الحقيقي، فيكمن في تحويل التصنيف الإعلامي إلى حقيقة متخيلة تتكرر حتى تبدو واقعًا. فالدول لا تُلزمها خرائط الآخرين، ولا تُقاس سيادتها بالألوان التي يمنحها لها خصومها.
الخريطة قد تكون أداة لصناعة الانطباع، لكنها ليست دليلًا على صناعة التحالف. وما ينبغي أن يقلق المنطقة ليس مجرد تصنيف الدول، بل احتمال توظيف هذه التصنيفات في الضغط السياسي، وتكريس الاستقطاب، وتبرير سياسات مستقبلية.وهذا هو الأهم انها سياسة الإقناع ..
لذلك، العقلانية هنا تبدأ بسؤالين: من رسم الخريطة، وما الدليل على أن الدول المصنفة وافقت على موقعها فيها؟ فبين التصور السياسي والواقع الاستراتيجي مسافة لا يجوز أن نختصرها بما يقوله النتن ياهو، ولا أن نتجاهل ما قد تخفيه من رسائل سياسية تستحق التفحص جيدا.



