خبرني - يتوجه الرئيس إيمانويل ماكرون عند الثامنة مساء الأحد (18,00 بتوقيت غرينتش) بكلمة متلفزة إلى الفرنسيين، بحسب ما أعلنت الرئاسة، وذلك غداة احتجاجات واسعة النطاق تخللتها أعمال عنف وشغب.
وأوضح الإليزيه أن الكلمة ستبث بعد اجتماع يعقده ماكرون مع عدد من الوزراء، في يوم تحصي البلاد تداعيات الاحتجاجات التي نظمت احتجاجات على غلاء المعيشة، وشهدت مواجهات بين المتظاهرين والشرطة، إضافة الى أعمال حرق ونهب واقتحام مبانٍ رسمية.
وتأتي الاحتجاجات قبل ستة أشهر من توجه الفرنسيين إلى صناديق الاقتراع لانتخاب خلف لماكرون.
ومن المقرر أن يغادر الرئيس الفرنسي الاثنين في جولة تستمر ثلاثة أيام وتشمل أربع دول عربية في الخليج تأثرت بالحرب في الشرق الأوسط.
واستفاقت فرنسا، الأحد، على حجم الأضرار التي خلّفتها أعمال شغب ونهب واسعة النطاق، طغت على احتجاجات شارك فيها مئات الآلاف، السبت، تنديداً بغلاء المعيشة، وذلك قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية.
وكان ماكرون قال على إكس إن "كل من ارتكب أعمال تخريب أو اعتدى على مؤسسات أو شركات أو شارك في أعمال نهب" سيُلاحق ويُعاقب.
وأعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو توقيف 1200 شخص على خلفية أعمال العنف التي شهدتها البلاد، وإصابة 150 من عناصر الشرطة والدرك، فيما أفادت شرطة باريس بتوقيف 855 شخصاً في العاصمة وحدها، ووصفت العدد بأنه "رقم قياسي".
وشارك في الاحتجاجات نحو 800 ألف شخص، بحسب المنظمين، بينما قدّر وزير الداخلية لوران نونيز عدد المشاركين بنحو 550 ألفاً.
وشهدت باريس ومدن فرنسية كبرى أعمال تخريب ونهب استهدفت مئات المؤسسات والمتاجر، فيما تناثر الحطام وهياكل الدراجات النارية المحترقة في الشوارع.
وقال رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار إن "شوارع بأكملها تعرضت لتخريب ممنهج".
وبحسب مراسلي وكالة فرانس برس، بدت أعمال العنف أشد حدة من تلك التي شهدتها البلاد عام 2023، وكذلك خلال احتجاجات "السترات الصفراء" عامي 2018 و2019.
وفي مواجهة تصاعد التوتر الاجتماعي، وفي ظل افتقار الحكومة إلى أغلبية برلمانية، تعهدت السلطات بالتعامل بحزم مع المسؤولين عن أعمال الشغب.
من جانبه، قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، خلال تفقده عناصر الشرطة في وسط باريس، إن "من المعجزة ألا تكون الحصيلة أعلى من ذلك".
وشدد لوكورنو على أن الحكومة لن "تخضع للترهيب" بسبب أعمال العنف، محمّلاً مجموعات من "اليسار المتطرف" وخارجين عن القانون مسؤولية الاضطرابات.
وكتب على منصة إكس: "إلى أولئك الذين يريدون بوضوح استخدام هذا العنف كمقدمة للانتخابات الرئاسية، أقول بوضوح: لن نسمح بأن يتم ترهيبنا. لن يفرض أحد أجندته السياسية عن طريق العنف".
وتأتي هذه الاضطرابات قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية، وسط تصاعد المواجهة السياسية بين زعيم حزب فرنسا الأبية جان لوك ميلانشون، وزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، اللذين تشير استطلاعات رأي حديثة إلى احتمال مواجهتهما في الجولة الثانية من الانتخابات.
وفي غضون ذلك، حذّر رئيس اتحاد التجارة والتوزيع الفرنسي ألكسندر بومبار من التداعيات الاقتصادية لأعمال العنف والنهب، قائلاً إنه يتوقع "عواقب اقتصادية ومالية كبيرة".
ماذا حدث السبت؟
وطالت أعمال العنف والتخريب التي شهدتها فرنسا، السبت، مباني حكومية وتاريخية في عدد من المدن، أبرزها مبنى بلدية ليموج، وسط البلاد، الذي دمّر حريق جزءاً كبيراً منه.
وقال مسؤول محلي إن المبنى التاريخي، الذي يعود إلى القرن التاسع عشر ويبلغ عمره أكثر من 140 عاماً، تعرض لأضرار جسيمة بعدما اقتحمه محتجون ملثمون وأضرموا النار فيه.
وأفادت السلطات المحلية بأن الحريق تسبب بانهيار أجزاء من المبنى، فيما كافحت فرق الإطفاء للسيطرة على النيران.
وفي ليون، جنوب شرقي فرنسا، أُضرمت النيران في أحد فروع مكتب السياحة في وسط المدينة، في مبنى تاريخي من معالمها البارزة.
ووصف رئيس بلدية ليون، غريغوري دوسيه، الحادث بأنه "مأساة"، قائلاً لقناة "بي إف إم تي في": "إنه أمر يحطم قلوبنا، لأن المبنى تاريخي ومعروف جداً، ويُعد من المعالم البارزة في المدينة".
وقالت الشرطة المحلية إن "أفراداً عدوانيين" منعوا فرق الإطفاء من التعامل مع الحريق بأمان.
وفي مرسيليا، ثاني أكبر مدن فرنسا، اقتحم محتجون مبنى البلدية لفترة وجيزة، بعدما حطموا مدخله، فيما وصفهم رئيس البلدية بينوا بايان بأنهم "مخربون".
وهتف أحد المحتجين خلال الاقتحام: "نحن نقتحم سجن الباستيل"، في إشارة إلى اقتحام القلعة الشهيرة خلال الثورة الفرنسية عام 1789.
وشهدت مدينة ليل، شمالي البلاد، اقتحام مبنى البلدية وتخريب أجزاء منه، بينما أعلنت السلطات المحلية في بوردو، جنوب غربي فرنسا، تعرض المقر الرسمي لإقامة المحافظة للنهب والتخريب.
وفي غرونوبل، عند سفوح جبال الألب الفرنسية، اندلع حريق في مبنى وسط المدينة، بالتزامن مع أعمال عنف ونهب شهدتها شوارعها.
أما في العاصمة باريس، فقد اندلعت مواجهات بين محتجين وقوات الأمن في ساحة الجمهورية، السبت، حيث استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق مئات المتظاهرين، بحسب مراسلي وكالة فرانس برس.
وانتشر عناصر الشرطة بكثافة في عدد من أحياء العاصمة، في مواجهة مجموعات من المحتجين ارتدى معظم أفرادها ملابس سوداء وأقنعة، وألقى بعضهم مقذوفات وأطلق ألعاباً نارية باتجاه قوات الأمن.
ومع انطلاق المسيرة، استخدمت الشرطة أيضاً خراطيم المياه لتفريق متظاهرين وصفتهم بالعنيفين.
وفي حادث منفصل بالعاصمة، استهدف نحو مئة شخص مقر قناة "سي نيوز" التلفزيونية، المملوكة للملياردير المحافظ فانسان بولوريه، وألقوا مقذوفات باتجاه واجهته، بحسب الشرطة.
لماذا يتظاهر الفرنسيون؟
تأتي احتجاجات بعد أسابيع من المظاهرات التي بدأها تلاميذ المدارس الثانوية في أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، للمطالبة بتحسين أوضاع التعليم وزيادة الإنفاق على المدارس.
وانطلقت الحركة الاحتجاجية من مدارس في ضواحٍ فقيرة شمال باريس، وسط شكاوى من نقص المعلمين والموظفين، واكتظاظ الصفوف، وتردي المباني المدرسية.
وسرعان ما اتسعت الاحتجاجات لتشمل أنحاء البلاد، حيث أغلق التلاميذ مداخل مئات المدارس، قبل أن تنضم إلى حركتهم نقابات عمالية ومجموعات احتجاجية أخرى.
وشهدت المظاهرات الطلابية خلال الأسابيع الماضية مواجهات عنيفة مع الشرطة، أثارت انتقادات لأساليب تعامل قوات الأمن مع المحتجين.
وفقد فتى يبلغ من العمر 15 عاماً إحدى يديه بعدما التقط قنبلة صوتية خلال الاحتجاجات، فيما تحقق هيئة الرقابة على الشرطة في شكاوى تتعلق باستخدام أفرادها العنف ضد المتظاهرين.
وقالت طالبة تدعى أود، شاركت في احتجاجات مرسيليا، لوكالة فرانس برس: "نحن هنا للاحتجاج على ضعف الموارد المخصصة للتعليم، وعلى عنف الشرطة".
وإلى جانب المطالب التعليمية، اتسعت الحركة لتشمل الاعتراض على ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وقال فرانك، وهو موظف حكومي في الأربعينيات من عمره شارك في مظاهرة وسط فرنسا: "في نهاية الشهر، لا يبقى لدي شيء. الأسعار ترتفع، لكن الأجور لا ترتفع. لم نعد نحتمل، إننا نختنق".
وتأتي هذه الاحتجاجات في ظل ضغوط اقتصادية تواجهها فرنسا، مع ارتفاع أسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية منذ عام 2024، بالتزامن مع مساعي الحكومة لخفض الدين العام، الذي يُتوقع أن يتجاوز 120 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل.
قوات مكافحة الشغب الفرنسية تستخدم الغاز المسيل للدموع في مواجهة متظاهرين ملثمين، وذلك خلال اشتباكات اندلعت في مظاهرة ضد غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود في "ساحة الجمهورية" بباريسصدر الصورة،Reuters
التعليق على الصورة،قوات مكافحة الشغب الفرنسية تستخدم الغاز المسيل للدموع في مواجهة متظاهرين ملثمين في "ساحة الجمهورية" في باريس
من جانبه، دعا وزير التعليم إدوار جيفري إلى وقف أعمال العنف، مؤكداً أن الحوار هو السبيل الوحيد لمعالجة الأزمة.
وقد أصبحت الاحتجاجات محوراً للتجاذب بين القوى السياسية الفرنسية، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027.
وأعلن زعيم حزب "فرنسا الأبية"، جان لوك ميلانشون، دعمه للحركة الطلابية، وشارك في إحدى المظاهرات المؤيدة لها الثلاثاء الماضي.
في المقابل، تبنى حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف موقفاً مؤيداً للشرطة، فيما حذر رئيسه جوردان بارديلا من استغلال الاحتجاجات سياسياً من جانب ميلانشون وأنصاره.



