*
الخميس: 15 أكتوبر 2026
  • 15 أكتوبر 2026
  • 17:46
كفى هدراً لعرق المزارع وزيته
الكاتب: رفاد العياصرة

في أوروبا، عندما تدخل بسيارتك محملة بالزيتون إلى المعصرة، أنت لا تدخل إلى "بابور" بل تدخل إلى مختبر.

من اللحظة الأولى، لحظة التفريغ، الميزان إلكتروني أمام عينيك، تقرأ وزنك بالغرام. ثم تأتيك القراءة الثانية فوراً: نسبة الزيت المتوقعة في زيتونك، وكمية الزيت التي ستنتجها هذه الدفعة، حسب الصنف والنضج والمنطقة.

وتجلس في غرفة انتظار نظيفة، أمامك شاشات عملاقة، تتابع فيها رحلة زيتونك بالصوت والصورة:
هذه مرحلة الغسيل، هذه مرحلة الهرس، هذه عجينة الزيتون الآن في الحوض، وهذه المدة اللازمة التي يجب أن تبقى فيها العجينة حتى تصل إلى مرحلة "الفراولة" - أي النضج المثالي للعجين قبل العصر - بالدقيقة والثانية، ودرجة الحرارة، ونسبة الرطوبة.

ثم ترى الزيت يخرج أمامك، يُفلتر، ويُعبأ، وتأخذ كشفاً كاملاً مطبوعاً بكل التفاصيل.

أما عندنا.. فالمعادلة مختلفة تماماً، معادلة "يا بتظبط يا بتخرب".

يأتي المزارع المسكين الذي سهر عاماً كاملاً، حرث، وقنّب، وسمّد، ورش، وحرس زيتونه من السرقة والطقس، يأتي فرحاً بمحصوله، فيفرغ زيتوناته في "جورة" كبيرة، ويقال له: روح استريح، أو تعال بكرة.

لا وزن دقيق يراه، ولا قراءة لنسبة الزيت، ولا شاشة، ولا تتبع. زيتونك يدخل في المجهول مع زيتون عشرين مزارعاً آخر.

ثم يبدأ مسلسل الحظ والنصيب..

مزارع عصره 24% ومزارع بجانبه عصره 14% رغم أن الزيتون من نفس الحقل ونفس الشجرة! 
فإذا سألت صاحب المعصرة: لماذا نقص الزيت هذا العام؟ يهز كتفيه ويقول لك جملة واحدة حفظها عن ظهر قلب: "السنة الزيتون ما فيه زيت.. الجو".

أي جو؟ وأي تفسير علمي هذا؟ 
هل ارتفعت حرارة العجينة أكثر من اللازم فاحترق الزيت؟ هل بقيت العجينة في الحوض 10 دقائق بدل 40 دقيقة؟ هل خلطت زيتوني الأخضر الممتاز مع زيتون جاري الأسود المُخمّر؟ هل آلة الطرد المركزي غير معايرة؟ لا أحد يعرف.. ولا أحد يريد أن يعرف.

نحن في 2026 ومعاصرنا لا تزال تعمل بعقلية السبعينات: "فضي هون وتوكل على الله".

يا أصحاب المعاصر:
أنتم لا تعصرون زيتوناً فقط، أنتم تعصرون تعب سنة كاملة، وتعصرون قوت عائلة، وتعصرون ثقة المزارع بكم.

استثماركم بملايين الدنانير في الحجر والديكور لا يهمنا، ما يهمنا هو الاستثمار في ميزان صادق، وفي شاشة قراءة، وفي جهاز يقيس نسبة الزيت، وفي شفافية تحترم عقل المزارع.

المزارع الأردني ليس جاهلاً، هو يرى معاصر إسبانيا وإيطاليا على اليوتيوب، ويعرف أن كيلو الزيت يكلفه 8 دنانير تعباً قبل أن يصل إليكم، فلا تسرقوا تعبه بحجة "البركة راحت".

إلى وزارة الزراعة ومؤسسة المواصفات والمقاييس: ضعوا تسعيرة إلزامية ومعايرة إلزامية وموازين مكشوفة وشاشات تتبع في كل معصرة، وإلا فأغلقوها.

كفى استخفافاً بالمزارع.. فمن لا يحترم زيتونة بلاده، لا يستحق أن يسمى معصرة.

مواضيع قد تعجبك