استضافت مدرسة هالة بنت خويلد فضيلة الشيخ مصطفى أبو رمان لتقديم ندوة لطالبات الثانوية العامة بعنوان "الأمن الفكري والسلم المجتمعي". تناول فيها أهمية تعزيز المواطنة والوحدة الوطنية، وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية والتسامح واحترام الآخر، مستشهدًا بمحطات من التاريخ الإسلامي، ومؤكدًا قيم التآخي التي دعت إليها رسالة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وارتبطت محاور الندوة بالسردية الأردنية ودورها في حماية الهوية الوطنية وصون النسيج المجتمعي في ظل القيادة الهاشمية.
وجاءت فكرة المبادرة من سيدة مسيحية آمنت بأهمية الحوار والتقارب بين أبناء الوطن على اختلاف معتقداتهم. ورحّبت بها السيدة حنان الديرية، مديرة المدرسة، واحتضنتها ومنحتها إطارًا تربويًا يعكس رسالتها في بناء الوعي لدى الطالبات. وبذلك التقت المبادرة المجتمعية الواعية بالقيادة المدرسية المسؤولة. ودعوة سيدة مسيحية لشيخ مسلم ليست أمرًا يستدعي الاستغراب، بل هي النموذج الذي ينبغي أن يترسخ في مجتمعنا؛ فالأردنيون شركاء في الوطن والمصير، ورجل الدين شريك في تعزيز السلم الأهلي والاحترام المتبادل.
ومثل هذه الندوات ضرورة تربوية ووطنية لا تقل أهمية عن تطوير المناهج، فبناء الوعي لا يتحقق بالكتاب وحده، بل بالحوار والمعرفة والانفتاح المسؤول. ومن هنا تبرز أهمية التعاون بين وزارتي التربية والتعليم والأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، بإيفاد مختصين إلى المدارس لتنظيم لقاءات هادفة تحمي الطلبة من الفكر المتطرف.
وتستحق السيدة حنان الديرية إشادة خاصة بوصفها نموذجًا للمديرة الناجحة التي تتجاوز دورها الإداري إلى المسؤولية التربوية والوطنية. فقيادتها تقوم على رؤية واضحة وأهداف محددة، وعلى الانفتاح على المجتمع واحتضان المبادرات. وتجلّى في أدائها العدل والشفافية في معاملة المعلمين والطلاب والعاملين، وحسن الإصغاء، وتقدير الجهود، ومعالجة المشكلات بهدوء. وبتعاملها اللطيف استطاعت أن تمدّ حبال الألفة بين الموظفات في مركبها السائر، حتى غدون كأنهن عائلة واحدة. وكانت قدوة بالتزامها الأخلاق والمسؤولية، فوفّرت بيئة مدرسية آمنة ومحفزة للتعلم، وجمعت بين الحزم والمرونة، وبين الإنجاز والعلاقات الإنسانية.
ومن هنا، أوجّه الدعوة إلى مديري المدارس ومديراتها للاقتداء بهذا النهج، إذ لا تقتصر رسالتهم على تسيير العمل اليومي، بل تمتد إلى بناء جسور المحبة والتواصل الإنساني، وترسيخ روح التعاون، وترجمة القيم الوطنية إلى ممارسة يومية.
لقد أثبتت حنان الديرية أن الإدارة ليست منصبًا يُشغَل، بل أثرٌ يُخلَّد ومسؤوليةٌ تُحمَل. فالأوطان لا تُبنى بالمناهج وحدها، بل بالعقول الواعية والقلوب المتآلفة؛ وحين تتعانق المواطنة مع الإنسانية، يصبح التنوع مصدر قوة، وتغدو المدرسة مصنعًا للوعي وجسرًا لوحدة الوطن.



