«مالك؟»
«ما في إشي».
يعيد الجار النظر إلى وجهك، ثم ينهي التحقيق:
«في إشي»!
في المساكن الشعبية السلم مشترك، والجدران رقيقة، والخبر يصعد الدرج قبل صاحبه.
يعرف الجار أن حالك تغيرت قبل أن تعترف. يراك تشتري أقل، وتطيل الوقوف أمام الأسعار.
وتعرف الأم من خفة كيس الخبز كم بقي من الشهر.
وفي طابور الوظيفة تختصر نظرة شاب سنوات من الانتظار.
في المساكن الشعبية الجار مركز دراسات. وفي كل طابق باحث ميداني بلا استمارة.
والسلم نفسه شاهد. مصباحه يضيء حين يضغط أحد الأزرار، وينطفئ قبل أن يصل الصاعد إلى الطابق التالي.
ومن عاش فيه يصعد في العتمة بحفظ الدرجات.
ولهذا يحفظ الساكن سلمه كما يحفظ الشاعر قصيدته. يعرف الدرجة المكسورة، والحافة الزلقة، وباب الجارة التي تترك الضوء مشتعلا.
وفي أغنية قديمة يصير القلب مساكن شعبية، بيتا مفتوحا على الشارع.
وفي رواية «الحياة: دليل الاستعمال» ينزع الكاتب واجهة عمارة باريسية، فتنكشف الشقق كلها دفعة واحدة، غرفة غرفة.
الاستطلاع يفعل مثل ذلك. ينزع الواجهة، ويعرض الأرقام.
لكنه يعد الأبواب. والقلب يعرف من يسكن خلفها!
وللقلب حجته. وللمراكز حجتها.
القلب ينحاز لآخر فاتورة، ويتذكر ما آلمه ويغفل ما أنعشه.
والعينة تصحح انحياز القلب. والقلب يملأ فراغ العينة.
فلنصعد ونسمع ما قالته.
أعلن مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، يوم السبت 10 تشرين الأول، استطلاعه بعد عامين على تشكيل الحكومة. سأل أكثر من ألفي أردني اختيروا عشوائيا.
عند المدخل لافتة كبيرة: 66 في المئة يثقون بالحكومة.
رقم محترم. ويستحق أن يقرأ بإنصاف.
وعلى الطابق الأول يقف الاتجاه العام. أكثر من نصف الأردنيين يرون الأمور تسير في الاتجاه الإيجابي، وثلثهم يراها تسير في الاتجاه الخاطئ.
وفي الطابق الثاني تقيم الفواتير.
وتخيل بابا عليه ورقة صغيرة طويت مرتين، كتب عليها الأب مبلغ فاتورة الكهرباء.
الرقم الرسمي أعمى عن تلك الورقة. والجار بصير بها.
قال 44 في المئة إن وضعهم الاقتصادي أسوأ مما كان قبل عام. وقال 12 في المئة فقط إنه تحسن.
ثقة بنسبة 66. وتحسن بنسبة 12.
رقمان في استمارة واحدة، وبينهما مسافة تكفي لحكاية.
وقد يسأل سائل: كيف يجتمع قلبان في جوف واحد؟
يجتمعان كما يجتمع الجيران في مبنى واحد. واحد يشكر، وآخر يشكو، وكلاهما صادق.
الثقة سلفة يمنحها الناس، والقلب يحتفظ بالفواتير!
وفي الطابق الثالث تجلس البطالة. تصدرت ما يطلبه الناس من الحكومة، عند نحو نصفهم.
والأمان نعمة يعرف قيمتها من فقده. أما فاتورة الكهرباء فتبقى على باب صاحبها.
وعلى الجدار الخارجي للمبنى لافتات ورش.
من 85 مشروعا للتحديث الاقتصادي مقررا إنجازها هذا العام، أنجز 17 مشروعا، بحسب مركز راصد.
والمشروع الجاري يختلف عن المتأخر. وكل ورشة تستحق لافتة باسمها.
وعلى السطح يقف الصندوق.
هناك ينشر الجيران غسيلهم، ويتبادلون الأخبار تحت الشمس.
حين سأل المركز عن انتخابات البلديات العام المقبل، أعلن 35.7 في المئة أنهم لن يشاركوا.
والصندوق استطلاع بلا عينة، يجيب فيه الناس بالحضور أو بالغياب.
وعند باب المبنى حارس جديد اسمه «فرح»، ناطق رقمي حكومي. وقال قرابة نصف المستجيبين إنهم يثقون بالناطق البشري أكثر.
القلب يريد وجها يقرؤه.
وجها يرتبك حين يسأل، ويطمئن حين يجيب، ويعرف اسم الساكن في الطابق الثالث.
ورئيس الحكومة ابن مراكز الدراسات. دكتوراه من جنيف، وسنوات في بعثة بلاده لدى الأمم المتحدة هناك.
وعلم كهذا يسأل «كم؟» ثم يسأل «لماذا؟».
ومن يحمل هذا العلم يعرف أن الجدول يبدأ من باب يطرق.
تخيل باحثا يصعد الدرج، في يده جهاز لوحي. يطرق بابا. تفتحه أم، وتضع الغلاية على النار.
تجيب عن كل سؤال بدقة. وعن سؤال لم يرد في الاستمارة بنظرة.
والنظرة هي التي تدخل النص، إن وجد من يسمعها.
والنظرة بخار الغلاية: يصعد قبل الكلام ويختفي قبل التدوين.
ولمراكز الدراسات أن تضيف إلى كل استمارة سؤالا مفتوحا واحدا: ما الذي حذفته أسرتك من سلتها هذا العام؟
وأن تنشر الاستمارة كاملة، ليختبر القارئ السؤال قبل أن يقرأ الجواب.
وللحكومة أن تعلق على مدخل المبنى ورقة واحدة كل مئة يوم، بلغة يفهمها الساكن قبل المهندس.
ماذا وعدت. وماذا أنجزت. وما الذي تؤجله منذ زمن.
الرقم يقول كم، والورقة تقول ماذا، والقلب يسأل ليش!
وفي هذا الشهر يصعد سلالم المملكة آلاف الباحثين في التعداد العام، قرابة عشرة آلاف منهم معلمون، وفي أيديهم أجهزة لوحية، بحسب ما نشرته وسائل إعلام أردنية.
سيطرقون أبوابا كثيرة. وخلف كل باب مصباح سلم ينطفئ قبل الطابق التالي.
فإذا سأل أحدهم الجيران «ليش؟»، وعاد بإجابة تختبر، يبدأ الاستطلاع الحقيقي!



