خبرني - لماذا ننظر إلى مشكلة النقل في مدننا من زاوية السيارة دائماً؟ لماذا يصبح نجاح الطريق مرتبطاً بعدد المركبات التي يستطيع استيعابها، بينما السؤال الأهم هو: كم إنساناً يستطيع هذا الطريق أن ينقله، وبأي وقت وكلفة ودرجة من الأمان؟
هذه ليست مجرد لعبة في المصطلحات؛ إنها بداية تحول ضروري في فلسفة إدارة المدن. فالمدينة التي تخطط للسيارات ستجد نفسها، عاجلاً أم آجلاً، أمام مزيد من السيارات ومزيد من الطرق ومزيد من الازدحام. أما المدينة التي تخطط لحركة الإنسان، فتبدأ من سؤال مختلف: كيف يستطيع المواطن الوصول إلى عمله ومدرسته وجامعته ومستشفاه ومصالحه بأقل وقت وكلفة وأعلى مستوى من الأمان والراحة؟
لقد أثبتت التجربة أن توسيع الطرق وحده لا ينهي الازدحام. قد يمنح المركبات مساحة إضافية لبعض الوقت، لكنه سرعان ما يجذب حركة جديدة إليها. ولذلك فإن الحل الحضري الحديث لا يقوم على بناء طريق جديد كلما زاد عدد السيارات، وإنما على بناء منظومة تنقل متكاملة تجعل الخيارات أمام الإنسان متعددة.
النقل العام يجب أن يكون العمود الفقري لهذه المنظومة، لكنه لا يستطيع النجاح وحده إذا بقي منفصلاً عن المشي، والأرصفة، ومواقف السيارات، والربط بين الأحياء، والتنقل بين وسائط النقل المختلفة. المواطن لا يحتاج إلى حافلة فقط؛ يحتاج إلى رحلة متكاملة تبدأ من باب منزله وتنتهي إلى وجهته.
ومن هنا تصبح الأرصفة جزءاً من سياسة النقل، ويصبح عبور الشارع قضية تنقل، وتصبح الأشجار والظلال جزءاً من البنية التحتية، لأن الإنسان لن يختار المشي في شارع لا يستطيع السير فيه بأمان أو تحمّل حرارته.
كما ينبغي أن تنتقل إدارة النقل من القرارات العامة إلى الإدارة القائمة على البيانات. أين تتحرك المركبات؟ متى يبدأ الاختناق؟ لماذا يتكرر في المكان نفسه؟ أين يتركز الطلب على النقل العام؟ وما المناطق التي لا تصل إليها الخدمة بصورة كافية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تحدد الاستثمار، لا مجرد الانطباع.
والأهم أن العدالة في النقل يجب أن تصبح جزءاً من العدالة الاجتماعية. فالمواطن الذي لا يمتلك سيارة لا ينبغي أن تكون فرصته في العمل والتعليم والخدمات أقل من المواطن الذي يمتلكها. المدينة العادلة هي التي تتيح للإنسان أن يتحرك فيها بكرامة، أياً كانت وسيلة نقله.
وفي عمّان تحديداً، فإن النمو السكاني والعمراني يجعل الاستمرار في التعامل مع النقل بوصفه مشكلة سيارات فقط أمراً غير كافٍ. نحن بحاجة إلى رؤية تجعل النقل العام والمشي والربط بين الأحياء وإدارة مواقف السيارات والتخطيط العمراني أجزاء من منظومة واحدة.
فقد لا يكون السؤال: كم طريقاً جديداً نحتاج؟ بل ربما يكون: كم رحلة يمكننا أن نجعلها أقصر وأسهل من دون أن نبني طريقاً واحداً جديداً؟
هذه هي النقلة الفكرية التي تحتاجها مدننا: من إدارة حركة المركبات إلى إدارة حركة الإنسان.
فالمدينة الناجحة ليست التي تتحرك فيها السيارات بسرعة فقط، بل التي يستطيع فيها الإنسان أن يصل إلى ما يريد، في الوقت الذي يريد، وبالطريقة التي تحفظ له كرامته..



