بعد ان حصلنا على وكالة الخطوط الجوية البلغارية عام ١٩٨٢ بشكل رسمي ، تم تتويج ذلك بتوقيع إتفاقية ( وكيل عام مبيعات ) ( GSA ) .
بعدها واجهنا عقبة كبيرة تتمثل في عدم سماح السعودية للخطوط البلغارية بالمرور بأجوائها ( Over Flying Permission ) كون بلغاريا دولة إشتراكية . لكننا حصلنا على الموافقة من الملك فهد ، عن طريق والد الشيخ المالك كونه كان وزيراً في حكومة الإمارات ، وصديقاً للملك فهد .
تم تشغيل رحلة إسبوعية منتظمة بين صوفيا وأبوظبي . وسارت الأمور على ما يرام . واستغلينا الرحلة الإسبوعية ، لإرسال أعداد منتقاة بعناية من المسافرين المواطنين والمقيمين العرب ، في رحلات مجانية ، للتعرف على بلغاريا .
في سنة من سنوات تشغيل الرحلات السياحية ، التي إستمرت ل ( ١٠ ) سنوات ، لا أتذكر في أي عام ، كانت الأمور تسير بشكل ممتاز على كافة الأصعدة ، والإقبال على الرحلات كان ممتازاً ، حيث كانت الحجوزات على الرحلات تكاد تبلغ نسبتها ( ١٠٠٪ ) .
أتى شهر حزيران لنباشر الرحلات ، وتأكدنا من مدير الخطوط البلغارية في ابوظبي ان الأمور تسير بشكل ممتاز ، وان الطائرة التي ستصل فجراً ، جاهزة للإقلاع متوجهة الى ابوظبي لتقل حوالي ( ١٩٨ ) راكباً . وكانت الساعة تقارب ( ٩/٣٠ ) مساءاً ، وغداً صباحاً تبدأ عطلة عيد الأضحى المبارك ، وهممت لمغادرة مكتبي . وإذ بالسكرتيرة تبلغني بوجود إتصال مهم .
عدت للمكتب ، واذا بمدير مكتبنا السياحي ، يبلغني بأن الخطوط الجوية البلغارية في صوفيا (( لم تحصل )) على تصريح المرور في الأجواء السعودية . أحسست لحظتها ان بركاناً يتفجر في داخلي ، لكنني رددت عليه بهدوء مفتعل ، إنتظروني جميعكم في المكتب ولا أحد يغادر .
ذهبت للمكتب ، الذي يبعد عن مكتبي حوالي ربع ساعة فقط . صعدت الى مكتبي في مؤسستنا السياحية ، ولحق بي ممثل الخطوط البلغارية ، ومدير مكتبنا السياحي . وتأكدت من صحة ما قاله لي سابقاً .
ساد الصمت ، وقلت : الآن الساعة بحدود العاشرة مساءاً ، وغداً عطلة يوم الوقفة ، ولا أدري من أين نبدأ ؟ إقترح زميلي مدير مكتبنا السياحي ان نحاول الإتصال في مراقبة مطار الدمام في السعودية ، لعلنا نجد حلاً . وافقت على الفكرة ، وطلبت إحضار هواتف مطار الدمام . وحصلنا على الرقم ، وتم الإتصال ، وطلبت من المقسم ان يوصلني بالمدير المناوب للمطار .
شرحت له كافة التفاصيل وان الخطوط البلغارية حاصلة على تصريح للمرور في الأجواء السعودية للرحلات الاسبوعية المنتظمة ، لكننا نود الحصول على تصريح للرحلات السياحية ، وان الطائرة جاثمة في مطار صوفيا مستعدة للإقلاع ، وانه من المفترض ان تصل مطار ابوظبي حوالي الساعة الخامسة فجر الليلة — اي بعد ساعات — طالباً المساعدة لأن المشكلة كبيرة وتتعلق بمؤسسة وطنية إماراتية ذات سمعة ممتازة . وإذ به يخبرني ، انه لا يمكنه مساعدتي ، وإقترح ان أتصل على وزارة الخارجية ، ربما يكون لديهم الإمكانية للمساعدة . عندها أُسقِط ما في يدي . وقلت له : لا اعتقد ان تصريح المرور في أجواء السعودية يمكن ان يكون من إختصاص وزارة الخارجية . وثانياً : لأن الوقت الآن قارب على منتصف الليل ، وغداً تبدأ عطلة العيد . فأجابني : بأن كافة الوزارات في السعودية يكون لديها كادر مناوب في العطلات . طلبت منه رقم وزارة الخارجية ، وفعل مشكوراً .
إتصلت فوراً على وزارة الخارجية ، وإذ بالرد يأتيني ، ويعرب عن إستعداده للمساعدة . أخبرته انني أتحدث من ابوظبي ، وشرحت له قصتي ، واطلعته على ما قاله لي المدير المناوب في مطار الدمام . طال الحديث بيننا قليلاً ، وختمه ، بان ذلك ليس من إختصاص وزارتهم ، معتذراً عن عدم تمكنه من مساعدتي . عندها قلت له : إذاً من هي الجهة المخولة بإصدار هذه التصاريح ؟ إعتذر عن الإجابة لسرية المعلومة . سألته عن إسمه الكريم ، فذكر إسمه وإسم قبيلته ، وتصادف ان لي صديق من قبيلته ، كان يرأس بعثة الأمن السعودية في الإمارات ، وكان برتبة لواء . فسألته : هل تعرف اللواء فلان ؟ قال نعم اعرفه وهو من أقاربي . أقسمت له يميناً غليظاً أنه اذا لم يساعدني ، ويقول لي من هي الجهة المسؤولة ، ويزودني برقم الهاتف ، أقسمت انني سأتصل بقريبه اللواء الآن ، قال اخبرك ، وازودك برقم الهاتف بعد ان تقسم يميناً بأنك لن تخبر أحداً . وأقسمت له صادقاً . فقال : وزارة الدفاع / سلاح الجو / العقيد فلان وهو مناوب الآن . شكرته وأكدت له انني لن أبوح بسره .
إتصلت برقم الضابط المناوب ، وعرّفته بنفسي ، وأطلعته على مشكلتي . وكان لطيفاً جداً ، وفاجأني بسؤال : هل انت أردني ، قلت نعم ، ثم سأل : من أي منطقة ، أجبته : من جنوب الأردن ، قال : من أية قبيلة : قلت له من الكرك ، من قبيلة الطراونة . وإذ به يشرح لي حبه للأردن عامة والكرك خاصة .
قال لي إسمع ، والله انني أرغب بمساعدتك ، لكن الأمر ليس من صلاحياتي . والموافقة على إصدار تصريح لعبور الأجواء السعودية بيد سمو الأمير سلطان بن عبد العزيز ، وزير الدفاع وقائد سلاح الجو . وهو الآن في قصره ، وعنده حفل عشاء كبير ، وسوف أغامر وأُعطيك رقم هاتف القصر ، لكن شريطة ان لا تخبر أحداً بذلك ، وأقسمت له انني لن أُخبر أحداً .
إتصلت على هاتف قصر الأمير سلطان ، بكل جسارة وجرأة . وإذ يرد على الهاتف أحد الخدم . سلمت عليه ، وفوراً أخبرته انني أود التحدث مع سمو الأمير سلطان لأمرٍ هام .
وما هي الا ثواني ، وإذ بسمو الأمير يرد بكل لطف ، ويقول : من معي ؟ عرفته بنفسي ، وبمشكلتي وان الطيران البلغاري يمر في الأجواء السعودية لمدة ( ١٢ ) دقيقة فقط . كما عرفته بإسم الشيخ مالك المؤسسات ، وعرفته بمعالي الشيخ والد المالك ، وهو كان وزيراً له ثقله في منطقة الخليج العربي كلها ، ولديّ مشكلة حلها عند سموك ، قال : إبشر .
صعقني بلطفة ، عندها سألني سمو الأمير سلطان : كم الساعة الآن : نظرت لساعتي على عجل ، وقلت : الساعة الآن الثانية فجراً سمو الأمير . قال : أعطيني رقم التلكس ، وأضاف : روح إجلس عند التلكس ، خلال عشرة دقائق ستصلك الموافقة ، واذا مرّ ربع ساعة ولم تصلك الموافقة ، إتصل بي ، ولا تتردد ، انا سهران وعندي ضيوف . شكرته شكراً عظيماً على لطفه وتفهمه وتلبيته طلبي .
هرعنا جميعاً الى غرفة التلكس ، وبعد دقائق وصلتني الموافقة ، وكان النص المتعارف عليه يتألف من عدة كلمات هي :—
Over flying permission is granted for Bulgarian Airlines .
بعدها أرسلت كُتب شكر لكافة الجهات التي تواصلت معها ، وكتاب شكر خاص لسمو الأمير سلطان ، وردّ عليّ ودعاني لزيارته وان أكون ضيفه لشهر كامل ، ورددت عليه شاكراً ومعتذراً .



