في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرحلة جديدة. فقد شكّلت العملية التي نفذتها فصائل المقاو في غزة نقطة تحول في المعادلات الأمنية والسياسية التي حكمت العلاقة بين إسرائيل وقطاع غزة لسنوات، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي بعد فترة بدا فيها أنها تتراجع على سلم الأولويات الإقليمية والدولية.
لكن فهم 7 أكتوبر لا يستقيم إذا عُزل عن سياقه التاريخي.
فالحرب التي اندلعت بعده لم تبدأ من فراغ، كما أن المقاومة الفلسطينية لم تظهر في ذلك اليوم. فثمة عقود من الاحتلال والاستيطان والتهجير والاعتقالات والحصار سبقت الحدث، وثمة مسار سياسي طويل لم ينجح في الوصول إلى تسوية تنهي الاحتلال أو تحقق للفلسطينيين حقهم في تقرير المصير.
من هنا، فإن السؤال عن 7 أكتوبر لا ينبغي أن يقتصر على ما حدث في ذلك اليوم، وإنما يمتد إلى الظروف التي جعلت الصراع يصل إلى هذه المرحلة، وإلى النتائج التي ترتبت عليها خلال السنوات الثلاث التالية.
المقاومة في سياق الصراع
في الخطاب الفلسطيني، تُفهم المقاومة باعتبارها إحدى أدوات مواجهة الاحتلال، إلى جانب العمل السياسي والشعبي والمدني.
وقد اختلفت الفصائل الفلسطينية في أدواتها ومقارباتها، لكن فكرة مقاومة الاحتلال ظلت حاضرة في التاريخ السياسي الفلسطيني، ولم تبدأ مع حركة أو فصيل بعينه.
وفي هذا السياق، ينظر كثير من الفلسطينيين إلى 7 أكتوبر باعتباره تعبيرا عن رفض واقع اعتاد المجتمع الدولي التعامل معه باعتباره حالة مستمرة: احتلال واستيطان وحصار، مقابل عملية سياسية لم تحقق حلا نهائيا.
وهذا السياق لا يلغي النقاش حول ما جرى في 7 أكتوبر، ولا يعفي أي طرف من المسؤولية عن حماية المدنيين واحترام قواعد القانون الدولي، لكنه يساعد على تفسير لماذا بقيت المقاومة حاضرة في الوعي السياسي الفلسطيني رغم التحولات التي شهدتها المنطقة.
ماذا غيّر 7 أكتوبر؟
أحد أبرز آثار 7 أكتوبر أنه أظهر حدود المقاربة الأمنية التي اعتمدتها إسرائيل في التعامل مع قطاع غزة.
فقد امتلكت إسرائيل على مدى سنوات تفوقا عسكريا وتكنولوجيا واستخباراتيا كبيرا، إلى جانب منظومة أمنية متقدمة، ومع ذلك تمكنت المقاومة من تنفيذ هجوم واسع داخل الأراضي الإسرائيلية وأحدثت صدمة سياسية وأمنية عميقة.
وبغض النظر عن تقييم العملية عسكريا أو سياسيا، فقد أظهرت أن التفوق العسكري لا يوفر وحده حلا مستداما للصراع.
وهذه ربما إحدى أهم دلالات الحدث: يمكن للقوة أن تفرض واقعا مؤقتا، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء قضية سياسية متجذرة.
الحرب على غزة.. من الرد العسكري إلى الكارثة الإنسانية
كان الرد الإسرائيلي على 7 أكتوبر حربا واسعة على قطاع غزة، تحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في المنطقة خلال العقود الأخيرة.
وعلى مدى سنوات الحرب، تعرضت مناطق واسعة من القطاع لدمار هائل طال المنازل والأحياء والبنية التحتية والمنشآت الصحية والتعليمية، فيما عاش الفلسطينيون ظروفا قاسية من النزوح ونقص الغذاء والدواء والمأوى.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الحرب وضوحا.
فإسرائيل قدمت عملياتها باعتبارها حربا ضد حركة حماس وقدرات الفصائل المسلحة، بينما كانت النتائج الإنسانية تشمل قطاعا مدنيا بأكمله.
وهذا التناقض يطرح أسئلة جدية حول حدود القوة العسكرية، وحول مدى التزام العمليات العسكرية بمبادئ القانون الدولي المتعلقة بحماية المدنيين والتناسب والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
كما أن حجم الدمار يجعل الحديث عن “اليوم التالي للحرب” أكثر تعقيدا؛ فالقضية لم تعد مرتبطة بالأمن فقط، بل بإعادة بناء مجتمع فقد جزءا كبيرا من بنيته السكنية والخدمية والاقتصادية.
غزة.. الثمن الفلسطيني للحرب
وراء الأرقام التي تتكرر في التقارير الدولية توجد قصة إنسانية أكثر اتساعا.
عائلات فقدت أفرادا منها، وأطفال فقدوا آباءهم أو أمهاتهم، ومئات الآلاف اضطروا إلى النزوح مرات عديدة، فيما تحولت أماكن كانت مخصصة للتعليم والعلاج والسكن إلى مواقع للنزوح أو تعرضت للدمار.
ولهذا فإن التعامل مع غزة باعتبارها ملفا لإعادة الإعمار فقط يختزل المشكلة.
إعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات ضرورية، لكنها لا تعالج وحدها آثار الحرب على المجتمع الفلسطيني، ولا تجيب عن الأسئلة المتعلقة بالتهجير والفقدان والصدمات النفسية ومستقبل الأجيال التي عاشت سنواتها الأولى في ظل الحرب.
والأهم أن إعادة الإعمار لا يمكن أن تكون بديلا عن معالجة الأسباب السياسية للصراع.
الضفة الغربية.. الوجه الآخر للمشهد
في الوقت الذي تركز فيه الاهتمام الدولي على غزة، استمر الفلسطينيون في الضفة الغربية والقدس في مواجهة واقع مختلف من الاحتلال والاستيطان والاقتحامات والاعتقالات وعنف المستوطنين ومصادرة الأراضي.
وهذا مهم لفهم الصورة الأشمل.
فإذا جرى التعامل مع غزة باعتبارها المشكلة الوحيدة، يصبح من السهل تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف أمني منفصل عن الاحتلال والاستيطان.
لكن ما يحدث في الضفة الغربية يؤكد أن الأزمة أوسع من الحرب في غزة، وأن جذور الصراع ترتبط بمسألة السيطرة على الأرض والحقوق الوطنية للفلسطينيين.
المقاومة بين الشرعية السياسية والحدود الأخلاقية
ربط المقاومة بالاحتلال لا يعني أن كل ممارسة باسم المقاومة تصبح مقبولة تلقائيا.
فهناك فرق بين الدفاع عن حق شعب في مقاومة الاحتلال، وبين تقييم الوسائل التي تستخدمها الأطراف المختلفة في هذا الصراع.
ومن منظور القانون الدولي، تبقى حماية المدنيين مبدأ أساسيا لا يتغير بتغير هوية الطرف الذي يحمل السلاح.
وهذا التمييز مهم أيضا بالنسبة إلى الخطاب الفلسطيني نفسه.
فالقضية الفلسطينية تكتسب قوة أكبر حين تُطرح باعتبارها قضية تحرر وحقوق وطنية، لا باعتبارها صراعا مفتوحا بلا حدود أخلاقية.
وفي المقابل، فإن مطالبة الفلسطينيين بالتخلي عن المقاومة من دون إنهاء الاحتلال تطرح معضلة سياسية واضحة: كيف يمكن إنهاء أحد نتائج الصراع مع الإبقاء على أسبابه؟
ما الذي كشفته السنوات الثلاث؟
ربما تكون أهم نتيجة سياسية لـ7 أكتوبر أنه أعاد القضية الفلسطينية إلى النقاش الدولي بقوة.
فقبل الحرب، كانت المنطقة تشهد تحولات سياسية واقتصادية كبيرة، وكان الحديث عن التطبيع الإقليمي يتقدم أحيانا على الحديث عن إنهاء الاحتلال وحل القضية الفلسطينية.
بعد الحرب، أصبح من الصعب تجاهل القضية الفلسطينية أو التعامل معها باعتبارها ملفا يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى.
كما كشفت الحرب حدود الاعتقاد بأن الاستقرار الإقليمي يمكن أن يتحقق من دون معالجة القضية الفلسطينية.
لكن إعادة القضية إلى الواجهة لا تعني أن الحل أصبح أقرب بالضرورة.
فما زالت هناك أسئلة صعبة حول مستقبل غزة، وإعادة الإعمار، والسلطة الفلسطينية، ومستقبل المقاومة، والاستيطان، وشكل الدولة الفلسطينية، والقدس واللاجئين والحدود والأمن.
ما بعد 7 أكتوبر
بعد ثلاث سنوات، تبدو الحاجة أكبر إلى الانتقال من إدارة الصراع إلى محاولة معالجة أسبابه.
فالتجارب السابقة أظهرت أن القوة العسكرية يمكن أن تحقق أهدافا تكتيكية، لكنها لم تستطع إنهاء الصراع.
كما أن المسارات السياسية التي تجاهلت جوهر القضية الفلسطينية لم تنتج استقرارا دائما.
ومن هنا، فإن أي تصور للمستقبل يحتاج إلى التعامل مع مسألتين متلازمتين: الأمن لجميع السكان، وإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية للفلسطينيين.
ولا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى.
فالأمن الدائم لا يمكن أن يقوم على استمرار الاحتلال، كما أن أي مشروع سياسي فلسطيني مستدام يحتاج إلى حماية المدنيين وبناء مؤسسات قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ثلاث سنوات.. وما زال السؤال مفتوحا
بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، لم تعد المسألة تتعلق فقط بما إذا كانت المقاومة قد حققت أهدافها العسكرية أو ما إذا كانت إسرائيل قد نجحت في تحقيق أهدافها المعلنة.
السؤال الأوسع هو: هل غيّر ما حدث شروط الصراع، أم أنه أضاف جولة أخرى إلى صراع لم تُعالج أسبابه؟
حتى الآن، تبدو الإجابة مركبة.
فقد تغيرت المعادلات الأمنية والسياسية، وعادت فلسطين إلى مركز الاهتمام الدولي، وتبدلت حسابات المنطقة، لكن القضايا الأساسية بقيت قائمة.
وهذا يعني أن إنهاء الصراع لا يمكن أن يتحقق بمجرد إنهاء جولة عسكرية.
إذا كان 7 أكتوبر قد كشف حدود المقاربة الأمنية الإسرائيلية، فإن الحرب التي تلته كشفت أيضا حدود الاعتقاد بأن القوة وحدها تستطيع حل قضية سياسية.
وفي المقابل، أثبت الفلسطينيون أن القضية لم تختفِ، وأن استمرار الاحتلال لا يعني بالضرورة انتهاء المطالبة بالحرية.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرا في ذكرى 7 أكتوبر ليس فقط كيف بدأت هذه الحرب، ولا كيف يمكن منع تكرارها، وإنما كيف يمكن الوصول إلى وضع سياسي ينهي الاحتلال ويضمن للفلسطينيين حقهم في الحرية وتقرير المصير، ويضمن في الوقت نفسه حماية المدنيين وحقهم في الأمن والحياة؟
فمن دون معالجة هذا السؤال، ستظل المنطقة تدور في الحلقة نفسها: جولة تنتهي، وهدوء مؤقت يبدأ، ثم يعود الصراع من جديد.
أما فلسطين، فستبقى القضية التي لم ينجح أحد في تجاوزها.



