"العِلمُ أن تعرف، والحكمةُ أن تدرك ما الذي تفعله بما عرفت"
ولهذا تحديداً، لم تكن الكتب يوماً كافيةً وحدها لصناعة إنسان. فبين ركام المعلومة ونور الحكمة مسافةٌ موحشة لا يقطعها ورقٌ مرصوص، ولا شاشةٌ زرقاء باردة، ولا حتى أكثر المناهج اكتمالاً وزخرفة. هناك دائماً إنسانٌ يقف في مواجهة إنسان، يعلّمه كيف يتنفس السؤال، ومتى يتكئ على الشكّ ليصحو، ولماذا لا تعني الإجابة الجاهزة بالضرورة أننا وصلنا إلى آخر الطريق.
يمرّ في حياتنا معلمون ينتهي أثرهم مع رنين جرس الحصة الأخيرة أو محاضرة آخر النهار، ومعلمون آخرون يظلّون مقيمين فينا كوشمٍ لا يمحوه غياب. ربما لأن أحدهم ألقى ذات صباحٍ غائم جملةً عابرة لم يكن يدري أنها ستصير بوصلة، أو نطق بكلمةٍ صغيرة رممت انكسار قلبٍ غضّ وأعادت لطالبٍ ثقته بظله، أو طرح سؤالاً مباغتاً جعل تلميذةً ترى العالم بعينين أوسع، أو مسح برفقٍ على تعثرٍ عابر فقرر أحدهم، منذ تلك اللحظة بالذات، أن يكون في هذه الحياة شيئاً يُشار إليه بالبنان.
في الخامس من تشرين الأول، لا يبدو يوم المعلم مجرد موعدٍ في الذاكرة ولا مناسبةً للمجاملات الرتيبة؛ بل وقفة اعترافٍ ووفاء. فالأردن، الذي بنى وجدانه على الحرف منذ فجر تأسيسه، أدرك مبكراً أن المدارس لا تصنعها صلابة الجدران ولا فخامة الممرات، بل أرواحٌ تحترق لتضيء عتمة القاعات.
ولعلّ ما يبعث على الاعتزاز حقاً، هو ذلك الإدراك الملكي العميق لجوهر هذه الرسالة؛ فحين أطلقت جلالة الملكة رانيا العبدالله جائزة التميز التربوي، لم تكن الفكرة مجرد منصة للتكريم، بل علامة أن التميز داخل الصف ليس ترفاً ولا شأناً عابراً، وأن هؤلاء الذين يمنحون أعمارهم في الظل يستحقون أن يفيض عليهم الضوء. لقد أعادت المبادرة الاعتبار لهيبة مهنةٍ لطالما طلبنا منها المستحيل ونحن نغفل عن أوجاع الواقفين في محرابها.
ثمّة حكايةٌ أخرى، ربما منسية، تسكن جسد هذه المهنة، حكاية "المعلّمة". امرأة تدلف عتبة الصف حاملةً في رأسها أعباء الدرس، وفي صدرها حقيبةٌ ملأى بتفاصيل بيتها وتعبها الصامت الذي لا يراه أحد. أمٌّ تؤجل قلقها على صغيرها، وابنةٌ تشدّ أزر عائلتها، وأنثى تقتطع من عافيتها كل يوم لتقف مستقيمة الظهر أمام السبورة، تبتسم لطلبتها كما لو أن أوجاع الدنيا تتوقف تماماً عند مقبض باب الصف.
اليوم، تجد المدرسة كما الجامعة نفسها مباغتةً بأسئلة عصرٍ جديد، حيث يقف الذكاء الاصطناعي على الأبواب، ما الذي سيفعله بالمعلم؟
قد يكون هذا المارد الرقمي أداةً مدهشة بين يديه، تختصر الوقت، وتولد الأفكار، وتعين على تفاوت المستويات. لكنه في الوقت عينه يضعنا أمام امتحان الآلة التي تمنح الطالب جواباً في رمشة عين، فهل يعني ذلك أنه "تعلّم"؟
الخطر الحقيقي لا يكمن في ذكاء الآلة، بل في استسلامنا لسهولتها. إن هذا الذكاء يكتب، يحلل، ويقترح، لكنه لا يعرف ولن يعرف متى ينبغي للطالب أن يتعب ليتعلم، وأين تكمن لذة المشقة في توليد الفكرة. وإذا ما غدت هذه الأدوات ممراً سهلاً للهروب من وعثاء التفكير، فسنخسر أعظم فضيلة إنسانية، المحاولة والمكابدة.
مهمة المعلم اليوم لم تعد سباقاً مع الشاشات في تقديم الأجوبة، بل حماية ما تعجز كل خوارزميات الأرض عن منحه، مثل دهشة السؤال، فضيلة الشك، شغف الحوار، والتمييز الحاسم بين وفرة المعلومة وعمق المعرفة.



