لدى كل معلم تقريبًا دفتر لا تراه الإدارة، ولا يدخل الأرشيف، ولا يحمل رقمًا أو ختمًا، ولا يعرف أحد عدد صفحاته.
إنه دفتر غير مكتوب، تسكنه أسماء الطلاب، وملاحظات صغيرة، ومواقف عابرة، ووجوه، وأسئلة بقيت معلقة بعد انتهاء الحصة.
في هذا الدفتر الافتراضي قد يحتفظ المعلم باسم الطالب الذي تغير سلوكه فجأة، وبملاحظة عن طالب لم يعد يشارك كما كان، وبصورة طفل بدا شاردًا طوال الحصة، وبجملة قالها طالب على سبيل المزاح لكنها كشفت شيئًا يحتاج إلى الانتباه.
لا أحد يطلب من المعلم كتابة هذه التفاصيل، ولا توجد خانة في التقرير اليومي تقول: "اليوم شعرت أن طالبًا يحتاج إلى من يسأله عن حاله."
ومع ذلك يفعل المعلم ذلك، وقد يقرع الجرس، ويخرج الطلاب إلى الساحة، وتبدأ الحصة التالية، ثم ينتهي الدوام، لكن بعض الأسئلة لا تنتهي مع الجرس، يأخذها المعلم معه إلى البيت، ويستعيدها في الطريق، وربما يفكر فيها وهو يحتسي قهوته أو يستعد لليوم التالي.
لماذا كان فلان صامتًا؟ هل فهم الطالب الدرس فعلًا أم أنه اكتفى بنقل الإجابة؟ هل كنت قاسيًا في تلك اللحظة؟ هل كان يمكن أن أتعامل مع الموقف بطريقة أخرى؟
هذه المساحة الخفية من عمل المعلم لا تظهر في كشوفات الإنجاز، ولا يمكن اختصارها في عدد الحصص أو صفحات المنهاج، ولهذا فإن الحديث عن المعلم يجب ألا يختزل في ساعات الدوام.
فالمعلم يعمل داخل منظومة لها خطط ومؤشرات وامتحانات ونتائج، وكل ذلك ضروري لتنظيم العملية التعليمية، لكن المدرسة التي تنظر إلى الأرقام وحدها قد تفقد الإنسان الذي يقف خلف الرقم.
علامة الطالب مهمة، لكنها لا تخبرنا دائمًا لماذا انخفضت، والحضور مهم، لكنه لا يخبرنا دائمًا عن جودة حضور الطالب من الداخل، والسلوك المسجل مهم، لكنه لا يكشف كل الأسباب التي صنعت ذلك السلوك.
المعلم هو الذي يقف في المسافة بين الرقم والإنسان.
ولهذا يحتاج المعلم نفسه إلى من يقرأ دفتره غير المرئي.
يحتاج إلى مدير يسمع، وإدارة تحترم، وزملاء يتعاونون، وفرص تطوير حقيقية، وبيئة لا تجعل المبادرة عبئًا، ولا تحول كل مشكلة إلى لوم.
في يوم المعلم العالمي، ربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: هل نعرف فعلًا ماذا يفعل المعلم عندما لا يكون أمامنا؟
كم قرارًا صغيرًا يتخذه خلال اليوم؟ كم مرة يختار الصبر بدل العقوبة؟ كم مرة يغير طريقة شرحه لأن طالبًا واحدًا لم يفهم؟ كم مرة يؤجل انزعاجه الشخصي حتى لا يدفع ثمنه طالب لا علاقة له به؟
هذه التفاصيل لا تصل كلها إلى الإدارة، لكنها تصنع المدرسة، فالمعلم إنسان قبل أن يكون صاحب مهنة، ولذلك فإن تقديره الحقيقي لا يكون فقط بصورة جماعية أو شهادة تعلق على الجدار.
قد تكون أجمل رسالة للمعلم أن يعرف أن أحدًا لاحظ جهده حتى عندما لم يتحدث عنه.
هناك أشياء تستطيع المدرسة تسجيلها، وأشياء لا يستطيع تسجيلها إلا الضمير.
وبعض الأشياء يكفي أن يسجلها ضمير المعلم.



