يبدو أن للهبات الإلهية في عالم السياسة أسرارًا لا نفهمها دائمًا؛ فقد وهب الله ماليزيا مهاتير، ووهب الأمة العربية مخاتير، وبين «مهاتير» و«مخاتير» فرق حرف، لكنه في واقعنا فرق مشروع أمة! مهاتير دخل التاريخ من باب التنمية، أما مخاتيرنا فكثير منهم يدخلون من باب المنصب، ثم يغادرون من باب الذكريات، تاركين خلفهم ملفات تنتظر من يفتحها، ومشروعات تنتظر من يكملها، وخططًا تنتظر من يصدقها.
ليست المشكلة أن العرب لا يملكون مهاتير؛ فالعقول العربية كثيرة، ولكن المشكلة أننا أحيانًا نبحث عن صاحب الولاء قبل صاحب الكفاءة، وعن من يجيد الكلام قبل من يجيد العمل، وعن صاحب «الحضور» قبل صاحب «الإنجاز». ولذلك كثرت عندنا الألقاب، وتكاثرت اللجان، وتناسلت الخطط، حتى أصبح لدينا من الاستراتيجيات ما يكفي لإنقاذ العالم، ومن النتائج ما يكفي لإقناع المواطن بأن الخطة ما زالت قيد الدراسة!
في ماليزيا كان السؤال: كيف نبني دولة؟ أما عندنا فكثيرًا ما يصبح السؤال: من يجلس على الكرسي؟ هناك تُقاس الحكومات بما تنتج، وهنا قد تُقاس أحيانًا بعدد الاجتماعات والمؤتمرات والبيانات والصور. هناك يتحول القرار إلى مشروع، والمشروع إلى نتيجة؛ وهنا قد يتحول القرار إلى لجنة، واللجنة إلى توصية، والتوصية إلى أرشيف، ثم يأتي مسؤول جديد ليعلن أن العمل جارٍ على إعداد خطة جديدة
ولست هنا في معرض تمجيد مهاتير أو تبرئة تجربته من النقد؛ فالرجل وتجربته شأنان قابلان للنقاش، لكن الدرس الأهم أن النهضة لا تصنعها الأسماء، وإنما تصنعها المؤسسات والكفاءة واستمرارية القرار. فالدولة التي تنتظر «الرجل المعجزة» ستظل تبحث، أما الدولة التي تصنع نظامًا قادرًا على إنتاج النجاح فلن تتوقف على رجل واحد.
ربما آن لنا أن نتوقف عن سؤال: من وهبنا الله؟ وأن نسأل: ماذا فعلنا بما وهبنا؟ فقد وهبنا الله النفط والغاز والماء والعقول والموقع والتاريخ، لكننا لم نحسن دائمًا تحويل النعمة إلى نهضة، ولا الثروة إلى إنتاج، ولا الشهادة العلمية إلى معرفة، ولا المعرفة إلى قرار. وهنا تصبح النكتة موجعة: الله وهب ماليزيا مهاتير، ووهب الأمة العربية مخاتير؛ فهل آن لنا أن ننتقل من عصر المختار إلى عصر الاختيار والانتاج والنهضة ؟



