ثمة شيء يدار في العمق، بعيداً عن البيانات الرسمية والعبارات المألوفة التي تصدر عن مطابخ القرار الأردني.
الحديث هذه المرة لا يتعلق بتعديل وزاري هدفه سد شاغر أو إعادة توزيع الحقائب أو تبديل اشخاص ، بل بسيناريو حساس ، إذا حدث، يعيد إنعاش مسار التحديث السياسي الذي تلقى انتقادات عند إقرار قانون الإدارة المحلية الجديد.
الإختبار أكبر من أسماء وزراء محتملين ، فالمسألة تتصل بصورة المشروع السياسي برمته، وبما إذا كانت الحكومة لا تزال قادرة على إقناع الأحزاب والشارع والنخب بأن التحديث السياسي ليس مرحلة عابرة انتهت بمجرد إقرار القوانين الناظمة للمشاركة الشعبية في صنع القرار .
في الكواليس فكرة مفادها أن حكومة الدكتور جعفر حسان، إذا امتد عمرها السياسي إلى ما بعد انعقاد الدورة العادية المقبلة لمجلس النواب ال20، قد تكون أمام فرصة لإجراء تعديل أوسع نسبياً من التعديلات التقليدية والعنوان توزير شخصيات حزبية ولكن بطريقة مختلفة.
الفكرة الأكثر إثارة ألا يتم اختيار أسماء بعينها باعتبارها ممثلين لأحزابهم، وإنما فتح مشاورات مع الأمانات العامة للأحزاب، وترك عملية الترشيح للمؤسسات الحزبية نفسها وهذا التفصيل ليس هامشياً.
هذا الأمر حال اعتماده يعد انتقالاً من التعامل مع الحزبي بوصفه شخصية سياسية إلى التعامل مع الحزب باعتباره مؤسسة إنتاج للقيادات والوزراء.
نحن امام اختبار حقيقي لمشروع التحديث السياسي بعد ما كان التوزير حكرا لشخصيات بعينها.
ستكون الكرة في ملعب الأحزاب وقدرتها على الإنتقال من مقاعد البرلمان والبيانات والانتخابات إلى ممارسة السلطة التنفيذية وتحمل المسؤولية.
لكن دعونا نكن واقعيون ،هذا السيناريو يحمل في داخله مفارقة سياسية كبيرة ؛ فالحكومة التي قد تبحث عن إنعاش الحضور الحزبي هي نفسها التي كان رئيسها عند تشكيل حكومته، حريصاً على الإشارة إلى أن اختيار الوزراء لا يقوم على خلفياتهم الحزبية بقدر ما يستند الى الكفاءة والمهارة وقد ضمت التشكيلة بالفعل شخصيات مرتبطة بأحزاب لكن الرسالة السياسية آنذاك كانت واضحة بأن الحزب ليس بطاقة العبور إلى الوزارة.
يبدو أن المعادلة قد تكون في طور إعادة الضبط من جديد ؛ ذلك أن قانون الإدارة المحلية أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في مشروع التحديث وهي العلاقة بين الإصلاح السياسي والإدارة المحلية.
وإذا كانت وثيقة التحديث قدمت تصوراً تدريجياً لتعزيز المشاركة السياسية والانتقال نحو مجالس محلية أكثر تمثيلاً، فإن التشريع الجديد فُهم في أوساط سياسية وحزبية باعتباره تراجعاً عن بعض التوصيات والروح التي حكمت ذلك المسار.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة ؛ إذ لا يمكن إنعاش التحديث السياسي بتعديل وزاري وحده بل باتخاذ خطوات أعمق بكثير.
التوزير الحزبي قد يكون إشارة مهمة، لكنه لن يكون كافياً إذا بقيت الأحزاب تشعر بأن التشريعات الأخرى تسير في اتجاه مختلف عن مسار الإصلاح الموعود .
إدخال حزبيين إلى الحكومة يحمل قيمة سياسية ورمزية كبيرة. فهو يمنح الأحزاب فرصة اختبار حقيقية، لكن هل تمتلك كوادر قادرة على إدارة الوزارات وهل تستطيع الانتقال من خطاب المعارضة والمناكفة البرلمانية إلى مسؤولية القرار والإنجاز ؟
والأهم، هل ستقبل الأحزاب الوسطية بأن تصبح شريكاً في الحكم، بما يعنيه ذلك من تحمل كلفة السياسات الحكومية شعبياً وسياسياً؟
هنا قد يكون الميل الحكومي هو التعبير الأكثر دقة ليس بالضرورة بالمعنى السلبي، بل دعوة عملية للأحزاب إلى النزول من مدرجات السياسة إلى ملعب السلطة.
وعلى الارجح هناك لاعب سيظل خارج هذه المعادلة، انه الحزب الوريث، للحركة الإسلامية مما سيجعل الحديث عن توسيع المشاركة الحزبية ناقصاً غير مكتمل .
إذا كان الهدف إنقاذ صورة التحديث السياسي، فإن المطلوب ليس مجرد توزير حزبيين، وإنما إعادة بناء الثقة في المسار كله. أما إذا كان الهدف هو إطالة عمر الحكومة عبر إنتاج تحالفات سياسية جديدة، فإن الأمر سيكون مختلفاً تماماً.وبين الاحتمالين يقف التعديل الثالث.
مطبخ القرار يدرك أن الأحزاب لا تحتاج إلى حقائب وزارية فقط بل إلى قواعد واضحة للمشاركة،وتشريعات متسقة، ومساحة فعل حقيقية شرط عدم تداخل الأهداف.
لننظر ونرى هل ننجح كدولة في التجربة الجديدة ان كُتب لها ان ترى النور .



