*
الاثنين: 28 أيلول 2026
  • 28 أيلول 2026
  • 12:52
حين تعيد الخبيصة ذاكرة الكروم من ملاحف صافوط والفحيص والسلط إلى مهرجان العنب
الكاتب: حازم عكروش

- الخبيصة والزبيب.. ذاكرة العنب التي تستعيدها الفحيص.

 

لم يكن منظر الخبيصة والزبيب على طاولة مهرجان العنب الثاني في الفحيص الذي تنظمه جمعية بيت التراث والفنون  مجرد عرض لمنتجات غذائية تراثية، بالنسبة لي على الأقل، بل كان أشبه بفتح نافذة على زمن بعيد، زمن ما زال يعيش في ذاكرة جيلنا بتفاصيله وروائحه ونكهاته.
أنا من جيل يتذكر ملاحف الخبيصة في صافوط والفحيص، تلك التي كان البعض في المدن وفي دول أخرى يطلقون عليها اسم «الملبن»، بينما بقيت في ذاكرتنا «الخبيصة»؛ منتجًا له حكايته وطريقته ومذاقه الذي لا يشبه ما تنتجه المصانع اليوم.
كانت الخبيصة ابنة موسم العنب، كما كان الزبيب والدبس وغيرهما من المنتجات التي تصنعها البيوت من محصول الكروم. وكانت العملية تبدأ من الأرض وتنتهي على موائد العائلات، في دورة إنتاج بسيطة، لكنها غنية بالخبرة والمعرفة والاعتماد على ما تنتجه الأرض.
مهرجان العنب الذي تقيمه الجمعية أعاد إلينا شيئًا من تلك الذاكرة. 
لم يعرض العنب كفاكهة موسمية فحسب، وإنما أعاد تذكيرنا بمنتجات ارتبطت به وبموسمه، وبأجيال كانت تعرف كيف تحول محصول الكرمة إلى مؤونة تبقى طوال العام.

لقد لاحظنا تهكم البعض على إقامة مهرجان للعنب في وقت تراجعت فيه زراعة العنب، واختفت مساحات واسعة من الكروم التي كانت تنتج أطنانًا منه.
لكن المفارقة أن غياب العنب عن مساحات واسعة من الأرض لا يعني غياب قصته.
فالقصة ما زالت موجودة في ذاكرة الناس، وفي وصفات الجدات، وفي المنتجات التي لا تزال بعض السيدات يحافظن على صناعتها بالطريقة التي عرفها الآباء والأجداد.
وعلى طاولة الفحيصيتين مجدولين صويص شرايحة وصديقتها ميادة صويص، يمكن أن تجدوا واحدة من تلك القصص مجسدة أمامكم: خبيصة وزبيب يحملان نكهة الماضي، ويقدمان نموذجًا لما يمكن أن يبقى من التراث حين تتولى الأيدي الماهرة حمايته من الاندثار.
ولست هنا بصدد الدعاية لأحد، وإنما أدعو إلى التذوق والحكم.
فمن يريد أن يعرف إن كانت هذه المنتجات تستحق كل هذا الحديث، فليتذوقها.
ستجدون خبيصة بطعم مختلف، وزبيبًا يحتفظ بنكهته، ومنتجات غذائية تمتاز ببساطة مكوناتها وأصالتها، بعيدًا عن عالم المطيبات الصناعية والنكهات التي غيّرت مذاق كثير من المنتجات الغذائية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الحفاظ على هذه الصناعة المنزلية والتراثية.
فالخبيصة ليست مجرد حلوى، والزبيب ليس مجرد منتج مجفف؛ كلاهما يحملان جزءًا من سردية المكان، ويختصران علاقة الإنسان بالأرض، وبموسم العنب، وبالمونة التي كانت تصنعها البيوت بأيدي أهلها.
ولذلك فإن مهرجان العنب لا ينبغي أن يُقاس فقط بكمية العنب المعروضة على الطاولات.
قيمته الحقيقية أن يجعلنا نتوقف لحظة أمام سؤال أكبر:
ماذا بقي لنا من كروم العنب التي كانت تملأ الفحيص وصافوط والسلط ؟ وماذا يمكن أن نحافظ عليه من تراثها قبل أن يختفي مع آخر من يعرفون أسرار صناعتها؟
ربما اندثرت كروم، وتغيرت ملامح الأرض، وتبدلت عادات الناس، لكن الذاكرة لا تزال تقاوم.
تقاومها امرأة تجفف العنب، وأخرى تصنع الخبيصة، وبيت يحتفظ بوصفة قديمة، ومهرجان يعيد تقديم هذه المنتجات إلى الناس.
وهكذا يصبح المهرجان أكثر من مناسبة موسمية؛ يصبح محاولة لإعادة وصل الحاضر بالماضي، وإخبار الأجيال الجديدة أن ما نراه اليوم على الطاولة لم يأتِ من فراغ، وإنما جاء من أرض وكروم وأيدٍ عرفت كيف تحول محصولها إلى غذاء وذاكرة وحكاية.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما في الخبيصة أنها لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
يكفي أن تتذوقها... لتكتشف أن للذاكرة طعمًا، وأن بعض النكهات تستطيع أن تعيد الإنسان عشرات السنين إلى الوراء.

مواضيع قد تعجبك